والدليل الآخر على أفضلية العزيمة على الرخصة في حالة التقية ما روي عن الحسن: (( أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم فخلاه , ثم دعا بالآخر وقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: إني أصم , قالها ثلاثا ; فضرب عنقه , فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه , وأخذ بفضيلة فهنيئا له , وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه ) ) [1] ، ففي هذه القصة - إن صحت - مدح النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأول، وشهد له بالصدق واليقين، وهذه فضيلة له في حين لم يعب على الآخر أخذه بالتقية، ومن المناسب الإشارة هنا إلى أن هذه الحوادث التي وردت لبعض الصحابة وقعت بين يدي أهل الكفر والشرك، وليس بين المسلمين، أو عند غلبة الدين، فحينئذ لا بد من إظهار كلمة الحق، والصدع بها كما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: (( سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر ) ) [2] ، وقصة الإمام أحمد بن حنبل مشهورة في إيثاره العزيمة على أن يأخذ برخصة التقية، رغم سطوة السلطان.
حكم التقية:
تقدمت الأدلة في جواز العمل بالتقية عند الضرورة، وأنها رخصة أقرها الإسلام على من وقع في فتنة في دينه أو ماله أو نفسه، وقد اختلف العلماء في شروط جوازها والعمل بها، لأن مقاصد الشريعة جاءت من أجل حماية النفس وصيانتها، وقد لا تحصل هذه الحماية إلا باللجوء إلى التقية، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ولكن الحق الذي ذهب إليه جمهور العلماء هو أن يثبت المسلم على ما هو عليه من الحق بظاهره، كما هو عليه بباطنه [3] .
وكما هو معلوم فإن الثبات أفضل وأعظم أجرًا من الأخذ برخصة التقية، فقد وردت في القرآن الكريم قصة (أصحاب الأخدود) حيث أمر الملك الكافر لمن آمن منهم أن يفتن بنار عظيمة سجرت في أخدود وقال: (( من لم يرجع عن دينه فاحملوه فيها، ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمة اصبري فإنك على الحق
(1) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 476.
(2) الحديث أخرجه الإمام أحمد، المسند: 3/ 19؛ الترمذي، السنن: 4/ 471؛ ابن ماجة، السنن: 2/ 1329؛ أبو داود، السنن: 4/ 124؛ النسائي، السنن: 7/ 161.
(3) الموسوعة الفقهية: مادة (التقية) .