الصفحة 14 من 35

)) [1] ، قال القرطبي في معرض تعليقه على هذه الرواية: (( إن الصبر على البلاء لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى ... ولقد أمتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد فصبروا، ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك ) )ثم أسشهد بحديث أبي سعيد وقصة خبيب بن عدي رضي الله عنه [2] ، ولا يخفى على مسلم ثناء الله تعالى على هذه الأمة التي ألقيت في النار لإيمانها ولم يردها ذلك العذاب عن هذا الإيمان.

وحكى الله تعالى موقفًا مشابهًا مع أحد الطغاة، وهم سحرة فرعون الذين قالوا له بعد إيمانهم برب العالمين، وإنذار فرعون لهم بالعذاب العظيم: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، [طه: 72] قال ابن كثير: (( أي لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين والذي فطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت، فاقض ما أنت قاض أي افعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إنما يقضي هذه الحياة الدنيا، أي إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار ) ) [3] ، والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة.

أما ما جاء في السنة فقد تقدمت بعض الأدلة على جواز التقية منها حادثة عمار بن ياسر، وفعل الأسيرين عند مسيلمة الكذاب، وكيف مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلم الذي ثبت فقُتل: (( مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئًا له ) )، وهذا يدل على التفضيل، والأمر نفسه ذهب إليه السرخسي في احتجاجه بقصة ثبات خبيب بن عدي على دينه وإيمانه فقال: (( فبهذا يتبين أن الامتناع أفضل ) ) [4] .

ويبدو أن مذهب البخاري (رحمه الله) كان في إيثار الثبات على الأخذ بالتقية، فقد بوب لهذه المسألة بابا بعنوان (باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) أورد فيه حديث خباب ابن الأرت أنه قال (( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة , فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل , فيحفر له في الأرض فيجعل فيه , فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفين , ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه , فما يصده ذلك عن دينه ثم قال صلى الله عليه وسلم والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت , لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه , ولكنكم تستعجلون ) )

(1) مسلم، الصحيح، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود: 4/ 2300، رقم 3005.

(2) الجامع لأحكام القرآن: 19/ 293.

(3) تفسير ابن كثير: 3/ 160.

(4) المبسوط: 24/ 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت