الصفحة 15 من 35

[1] ، ويتضح في هذا فقه الإمام البخاري وعمق فهمه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في الثبات إعزازًا لأمر الله تعالى واستظهارًا لدينه وإعلاءً لكلمته وإظهارًا لثبات المسلمين وبسالتهم وتثبيت لعامة المسلمين على الحق، قال الحافظ ابن حجر في بيان غرض البخاري من هذا الباب: (( فالقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار، فيكون أسهل إن أختار الأخذ بالشدة ) ) [2] .

ومن الأدلة على ذلك أيضًا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا: لأحدهما قرب، قال: ما عندي شيء، قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة ) ) [3] ، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: (( في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار ... ) )، ثم قال: (( إنه دخل النار بسبب لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم ) ) [4] .

مما تقدم بيان جلي للأدلة الواردة في الكتاب والسنة في تحديد حكم العمل بالتقية، ومع ذلك فقد وضع العلماء أحكامًا كثيرة للعمل بها نذكر منها [5] :

1.أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار , ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان , وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان , بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة , ولكن بشرط أن يضمر خلافه , وأن يعرض في كل ما يقول , فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب، روى البخاري عن أبي الدرداء قال: (( إنا لنكشر في وجوه أقوم وإن قلوبنا تلعنهم ) ) [6] .

2.أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل , ودليله ما ذكرناه في قصة خبيب بن عدي وأصحاب الأخدود وسحرة فرعون.

(1) صحيح البخاري، كتاب الإكراه: 6/ 2546، رقم 6544.

(2) فتح الباري: 13/ 268.

(3) أخرجه ابن أبي شيبة من حديث سلمان الفارسي، المصنف: 6/ 473؛ البيهقي، شعب الإيمان: 5/ 485؛ ابن أبي عاصم، السنة: ص 15؛ أبو نعيم، الحلية: 1/ 203.

(4) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ص 161.

(5) الموسوعة الفقهية، مصدر سابق.

(6) صحيح البخاري: 5/ 2271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت