فهرس الكتاب
على هذه الرواية وبيان ما خفي من معانيها رافعًا لستار التقية عن قلمه: (( بيان قوله - عليه السلام:(إن أمرهم) أي: المخالفين، (لأضيق من الحلقة) أي: الأمر في الآخرة مضيق عليهم لا يعفى عنهم كما يعفى عن مذنبي الشيعة، ولو قام القائم لبدأ بقتل هؤلاء قبل الكفار، فقوله لا أستطيع أن أتكلم في تكفيرهم تقية، والحاصل أن المخالفين ليسوا من أهل الجنان ولا من أهل المنزلة بين الجنة والنار وهي الأعراف، بل هم مخلدون في النار )) [1] .
ولا ريب أن في كلام المجلسي هذا يرفع اللثام عن عقيدة الإمامية ومغزى مصطلح التقية، إذ في كلامه تفريق واضح بين (المخالفين) والكفار، لأن (المخالفين) في نظره ونظر قائمه أسوء حالًا من الكفار الأصليين، حيث يبدأ أولًا بقتلهم وسفك دمائهم قبل قتل اليهود والنصارى والبوذيين والهندوس، ثم إن هؤلاء (المخالفون) خالدون مخلدون في النار، وهذا ما يعتقده الإمامية بعيدًا عن ستار التقية أو المداراة، وفيه يتضح الفرق الجذري والواضح بين مفهوم التقية عند أهل السنة والجماعة ومفهومها عند الإمامية، وكيف حرّف الإمامية معناها الموجه للكفار الأصليين، إلى المسلمين (المخالفين) لهم من أهل السنة والذين لا يدينون بدينهم، ولا يعتقدون بأئمتهم الاثني عشرية، وكل ما يرد في كتب القوم غير هذا الكلام فاعلم أنه (تقية) .
فالتقية قريبة إلى واقع الإمامية نظرًا لما حملوه في قلوبهم من إخفاء لعقائدهم بعد أن ازاد اضطهاد الناس لهم بسبب سوء اعتقادهم ولعنهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكفيرهم المخالفين كما هو مشهور عنهم، ومن الصعب عند علماء الإمامية بيان المغزى الحقيقي من وراء هذه العقيدة، إذ يتخبطون في تبريرها فيفسرونها أحيانًا بكونهم قلة مستضعفة وسط بيئة متسلطة، قال الشيرازي: (( إن التقية ديدن كل أقلية يسيطر عليهم الأكثرون ولا يسمحون لهم بإظهار عقائدهم أو العمل على وفقها فيخافون على أنفسهم ) ) [2] ، ويتجاهل الشيرازي في كلامه هذا سبب إخفاء مثل هذه العقيدة أو سبب بغض المسلمين لها، ولماذا لا يتقبل الاكثرون هذه العقيدة؟، والجواب عن مثل هذا السؤال لا بد أن يكمن في نفوس هؤلاء القوم الذين يحملّون أنفسهم أوزارًا فوق أوزارهم، قال عالم آخر من علمائهم المعاصرين: (( ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقهِ أيّة طائفة أو أُمَّة أُخرى فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقيّة بمكاتمة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصة بهم عنهم ) ) [3] .
(1) بحار الأنوار: 8/ 266.
(2) القواعد الفقهية: 1/ 287.
(3) محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية: ص 120.