فهرس الكتاب
إن أهم التعاريف التي يقدمها علماء الشيعة الإمامية للتقية ويبدءون بها كلامهم هو تعريف (المفيد) الذي قال فيه: (( كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدنيا والدين ) ) [1] ، وهو من أشهر العبارات التي يعتمدها الإمامية في تعريفهم للتقية، ومع ذلك فقد عرفها مرتضى الأنصاري بقوله: (( المراد منها التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق ) ) [2] ، ومن كلام المعاصرين من علمائهم في تعريفها قول الشهرستاني: (( التقية إخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره ) ) [3] ، وما قاله أيضًا حسن البجنوري في بيانها: (( هي عبارة عن إظهار الموافقة مع الغير في قول أو فعل أو ترك فعل يجب عليه حذرا من شره الذي يحتمل صدروه بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى من يحبه مع ثبوت كون ذلك القول أو ذلك الفعل أو ذلك الترك مخالفا للحق عنده ) ) [4] .
وأقرب هذه التعاريف إلى قلوب الإمامية والمعتمد والمرجح في كتبهم هو تعريف (المفيد) ؛ الذي حدد فيه حدود التقية بقوله (مكاتمة المخالفين) ويعني بالمخالفين هنا كل من خالف عقيدة الإمامية في إقرارهم بالأئمة الاثني عشر، كما أوضح ذلك شيخ الإمامية الأول ابن بابويه الذي يسمونه (الصدوق) في معرض كلامه حول قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] حيث قال: (( لا يصح إيمان المخالفين بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب ... ولا يكون الإيمان صحيحًا من مؤمن إلا من آمن بالمهدي القائم عليه السلام والأئمة عليهم السلام ) ) [5] ، والمراد بكلمة (المخالفين) في كتب الإمامية هم أهل السنة الذين يخالفون عقيدتهم وأصولهم، قال المفيد فيما نقله عنه تلميذه الطوسي: (( إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار ) ) [6] ، وهذا الحكم يمكن إطلاقه على الصحابة فمن دونهم من أهل السنة، بل ويطلقونه أيضًا على الشيخين، قال المجلسي في تقرير عقيدة الإمامية بالشيخين رضي الله عنهما: (( ... وقع التصريح باسم صنمي قريش وشيخي المخالفين الذين كانوا يقدمونهما على أمير المؤمنين - عليه السلام - ... ) ) [7] فصنمي قريش تسمية مشهورة عند الإمامية للشيخين رضي الله عنهما، قال المجلسي في مكان آخر: (( وصنمي قريش أبا بكر وعمر ) ) [8] ، ولا نظير لكلمة أخرى يمكن أن يتستر بها الإمامية من أجل مداراة تقيتهم عن أهل السنة والجماعة إلا كلمة (المخالفين) التي تحتمل وجوهًا، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أنهم يعنون بها أهل السنة وغيرهم من فرق المسلمين ممن لا يقرون بعقيدة الإمامة.
وربما وردت في كتبهم روايات من هذا القبيل في ذم (المخالفين) وعدم الصلاة خلفهم والاقتداء بأئمتهم، فقد روى الكليني وغيره عن ثعلبة بن ميمون قال: (( سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال: فما هم عندي إلا بمنزلة الجدر ) ) [9] ، قال مرتضى الأنصاري (وهو من علمائهم العارفين بأصولهم) في تعليقه على هذه الرواية: (( إن وجود الإمام المخالف لا يتفاوت مع عدم الإمام أصلًا، ولا يترتب على وجوده في نظر الشارع حكم شرعي ) ) [10] ، وبعبارة أخرى أن وجود (الإمامي) بين جماعة المصلين من أهل السنة لا يترتب عليه أي حكم شرعي لأنه يصلي مع (مخالفين) له في عقيدته واعتقاده، ونظير هذا كما قرره الأنصاري صلاته خلف رجل ثم اتضح أنه يهودي! لأن التقية عند الإمامية لا تفرق بين الكافر الأصلي وبين (المخالف) ، قال الشيرازي في تقرير عقيدة التقية عند أصحابه وفق هذا المفهوم: (( ومن الواضح أنه ليس في شيء من ذلك اختصاص بالمخالفين، بل لا فرق في ذلك بينهم وبين الكافرين ... ) ) [11] .
وقد يسأل متسائل عن مغزى تسمية الإمامية لمن لا يشاطرهم عقيدتهم بـ (المخالفين) ، وماذا يجب أن يعتقد الإمامي تجاهه؟، ولا نريد أن نذهب بعيدًا ونبحر بالأدلة الأصولية والعقلية لبيان هذه التساؤلات، إذ أن روايات الإمامية تجيب عن هذه التساؤلات وغيرها مما يكشف لنا مضون التقية بأغلب معانيها:
من ذلك ما رواه حمران بن أعين قال: (( قلت: لأبي عبد الله - عليه السلام - إنهم يقولون: لا تعجبون من قوم يزعمون أن الله يخرج قومًا من النار فيجعلهم من أصحاب الجنة مع أوليائه، فقال: أما يقرؤن قول الله تبارك {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] إنها جنة دون جنة ونار دون نار إنهم لا يساكنون أولياء الله، وقال: بينهما والله منزلة ولكن لا أستطيع أن أتكلم، إن أمرهم لأضيق من الحلقة، إن القائم لو قام لبدأ بهؤلاء ) ) [12] ، وقال المجلسي في تعليقه
(1) ينظر في تعريف الإمامية: المفيد، تصحيح الاعتقاد: ص 137؛ حسين كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها: ص 315.
(2) القواعد الفقهية: 1/ 288.
(3) في تعليقه على كتاب أوائل المقالات: ص 96.
(4) القواعد الفقهية: 5/ 43.
(5) كمال الدين: ص 18.
(6) تهذيب الأحكام: 1/ 335.
(7) بحار الأنوار: 20/ 133.
(8) المصدر نفسه: 52/ 284.
(9) الكافي: 3/ 373؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 3/ 266.
(10) صلاة الشيخ: ص 280.
(11) القواعد الفقهية: 1/ 459.
(12) بحار الأنوار: 8/ 259.