فهرس الكتاب
فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعًا )) [1] ، ومن الواضح في عبارة الطبرسي هذه التخبط بين الإمامية في وضع إطار عام لحدود العمل بالتقية، وفي حقيقة الأمر هي تشمل كل شيء في دينهم ومعتقدهم، فهي لا حدود لها، وإن وضعوا لها حدودًا فهي حدود وهمية سرعان ما تزول.
والأصل في الأعمال عند الإمامية التقية إلا في ثلاثة أمور هي قتل النفس والمسح على الخفين ومتعة الحج، وهذه تدخل في باب مخالفة أهل السنة والجماعة أكثر من كونها ابتعاد عن التقية، بعبارة أخرى تدخل في باب معارضة المخالفين وعدم التشبه بهم في دار التقية، وعموم الروايات عن الأئمة في كتب الإمامية تدل على هذا، فروى بابويه وغيره عن ابن أبي يعفور عن أبي جعفر قال: (( لا إيمان لمن لا تقية له ) ) [2] ، قال الشيرازي في تنظيره لهذه الرواية والروايات القريبة منها: (( فهي تدل على وجوب التقية إجمالًا في مواردها وأنها من أهم مسائل الدين ) ) [3] ، وقد أعطت هذه الروايات بعدًا غير متناهٍ للتقية بحيث لا يمكن معرفة تقية الإمامية من ثباتهم وعزيمتهم، ولا يقتصر ذلك على معاملاتهم مع (المخالفين) وإنما انتقل إلى معاملاتهم وعلاقتهم فيما بينهم، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان معرفة عمل التقية من عدمه حتى بين أفراد هذه الطائفة نفسها؛ لأنها تعد من ضروريات المذهب التي لا غنى عنها.
وقد وردت الروايات في كتب الإمامية تعضد ما ذهبنا إليه من أن الأصل هو العمل بالتقية وما عداه فهو من باب الرخصة، فقد روى ابن بابويه وغيره عن أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله قال: (( التقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين ) ) [4] ، وروي أيضًا عن زرارة قال: (( قلت لأبي عبد الله - عليه السلام: في المسح على الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدًا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج، قال زرارة ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدًا ) ) [5] ، ودلالة هذه الروايات في كتب الإمامية هي مخالفة أهل السنة والجماعة (المخالفين) في الأحكام الشرعية، وعدم التشبه بأعمالهم التعبدية حتى لو كانت موافقة للكتاب والسنة، وقد اعترف البنجوري بهذا التقرير عندما قال: (( إن هذه الروايات الكثيرة التي هي فوق حد الاستفاضة على الأذن والرخصة في امتثال الواجبات موافقة للمخالفين تقية ... ) ) [6] ، ولم يستبعد البعض من علمائهم التقية في هذه الأمور أيضًا إن كانت هناك مصلحة في ارتكابها:
(1) مجمع البيان: 1/ 20.
(2) الكافي: 2/ 219؛ ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 3/ 363.
(3) القواعد الفقهية: 1/ 389 - 399.
(4) الخصال: ص 22 - 23؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16/ 215.
(5) وسائل الشيعة: 16/ 216.
(6) القواعد الفقهية: 5/ 49.