فهرس الكتاب
(( لأن المسح على البشرة أو متعة الحج ليس أهم من جميع الأحكام الإسلامية حتى ينفرد بهذا الاستثناء ) ) [1] .
إن ما تقدم من كلام يعطينا دلالة قاطعة على أن العمل بالتقية عند الإمامية لا يتوقف عند حد من الحدود المحرمة حتى لو كانت في شرب الخمر والمسح على الخفين المحرم بزعمهم، لأن ما يصدر منهم من قول أو فعل يمكن حمله على التقية، فلا يمكن أن تلزمهم بشيء أصلًا، أو تعتمد على ما يصدر منهم من أفعال، وهذا الأمر مشهور بينهم منذ ظهورهم، قال الشهرستاني: (( فكل ما أرادوا تكلموا به فإذا قيل لهم في ذلك إنه ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا إنما قلناه تقية وفعلناه تقية ) ) [2] ، وقد واجهت هذه المعضلة شيخ الإسلام ابن تيمية عندما كتب ردًا على ابن المطهر الحلي المعروف عندهم بـ (العلامة) ، ونبه على ذلك: (( حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة ) ) [3] ، ووافقه الغزالي في هذا الحكم فقال: (( وكل زنديق مستتر بالكفر يرى التقية دينا ويعتقد النفاق وإظهار خلاف المعتقد عند استشعار الخوف حقا ) ) [4] ، وهذا الكلام يعطينا صورة واضحة لحكم العمل بالتقية دون ضرورة ملحة وحاجة شديدة، كما وتؤدي إلى انتشار النفاق بين من يعتقد بالتقية عقيدة ومنهجًا.
أهل البيت والتقية:
يدعي الإمامية بأن التقية بدأت مع الأئمة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندما اختار المسلمون قاطبة، بما فيهم أهل البيت أبا بكر الصديق خليفة للمسلمين، وهذا الإدعاء لا يمكن أن يثبتوه حتى بالروايات المدونة في كتبهم على غرابتها وتناقضها وكثرتها، فلم ترد في كتبهم رواية تصرح تصريحًا واضحًا بأن عليًا أو أبنائه قال بالتقية، بل الروايات الواردة عنهم في هذا الباب من أقوال وأفعال تناقض هذه العقيدة في الغالب، بعبارة أخرى لم نرَ رواية تحث على الأخذ بالتقية صراحة للأئمة الخمس الأوائل الذين تدعي الإمامية اتباعهم، وإنما الروايات المشهورة في كتب القوم أكثر ما نقلت عن جعفر الصادق ومن جاء بعده، وأما والده محمد الباقر فقد وردت عنه بضع روايات وقع فيها التصريح بالتقية.
والسؤال الذي يطرح نفسه: متى ظهرت هذه العقيدة بشكلها الحالي عند الشيعة الإمامية؟.
بطبيعة الحال سنحاول تحقيق هذه المسألة بالاعتماد على الروايات الواردة في كتب الإمامية؛ لأن هذا كما هو معروف مهم في إلزامهم بالحجة البالغة والدليل الدامغ، فهم لا يؤمنون إلا بما في هذه الكتب، ويرفضون أي رواية أخرى وردت في كتب المسلمين.
لا بد أن نقرر منذ بداية التاريخ الذي بدأت فيه روايات الإمامية تتخذ منحى التقية سبيلًا لها، وإشاعة هذه العقيدة على ألسنة أئمتهم، فمن المؤكد أن التقية قد ظهرت بين الإمامية في حياة الإمام زيد بن علي (ت 121هـ) ، إذ روى الطبري وغيره أن زيدًا عندما أراد الخروج على بني أمية خرج معه سواد عظيم من أهل الكوفة، كان معظمهم من الشيعة، فطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فامتنع من ذلك وترضى وترحم عليهما، فرفضه السواد الأعظم منهم، (( فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة ) ) [5] ، وهذا يدل على أن هؤلاء القوم لم يكونوا قد اعتنقوا عقيدة (التقية) بعد، بل إنهم لم يعرفوها أصلًا وإلا لكانوا قد خرجوا معه؛ لأن زيد بن علي بشهادة جعفر الصادق كان هو وعلى بين أبي طالب بمنزلة واحدة.
الرواية التي نعني هي هذه الرواية، التي تثبت في الوقت نفسه، صحة خروج زيد بن علي على بني أمية بشهادة حفيده الصادق، فمن ذلك ما رواه الكليني عن الأحول [6] : (( أن زيدًا بن علي بعث إليه وهو مختف، قال: فأتيته، فقال: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا، أتخرج معه .. ؟، قال: فقلت له إن كان فهو أباك أو أخاك، خرجت معه؛ فقال لي: أريد أن أخرج فأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، فقلت: لا أفعل جعلت فداك، فقال: أترغب بنفسك عن نفسي، فقلت: إنما هي نفسٌ واحدة، فإن كان لله في الأرض حجةً، فالمتخلف عنك والخارج معك سواء؛ فقال: يا أبا جعفر كنت اجلس مع أبي في الخوان، فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة حتى تبرد شفقةً عليّ، ولم يشفق عليّ حرّ النار إذ أخبرك ولم يخبرني، فقال: فقلت: خاف عليك أن لا تقبل فتدخل النار، واخبرني فإن قبلت نجوت، وإن لم اقبل لم أبال أن أدخل النار ) ) [7] ، ولا يمكن للمتتبع لروايات الإمامية إلا أن يتعجب من تلك الثقة المطلقة التي ألقيت على روايات الأحول، مقارنة بما قاله الإمام زيد بن علي، بل أن الإمامية
(1) الشيرازي، القواعد الفقهية: 1/ 422.
(2) الملل والنحل: 1/ 160.
(3) منهاج السنة النبوية: 1/ 68.
(4) فضائح الباطنية: ص 160.
(5) تاريخ الطبري: 4/ 204؛ المنتظم: 7/ 211.
(6) هو جعفر بن عثمان الرواسي الكوفي الأحول ذكره الطوسي في رجال الشيعة وقال روى عن الأعمش وغيره روى عنه محمد بن الحسن الشيباني وبنهم بن بهلول وقال علي بن الحكم كان جليل القدر عند العامة. لسان الميزان: 2/ 119.
(7) الكليني، الكافي: 1/ 257.