الصفحة 28 من 35

يمكن أن يكذبوا زيدًا على حساب تصديق الأحول، ولا يخفى على القارئ سذاجة رد الأحول على زيد بن علي.

ومع ذلك إن نحن سلمنا جدلًا بصحة ما قاله الأحول هنا، فكيف يمكن أن نترك ما قاله فيما بعد جعفر الصادق، الذي غالبًا ما تنسب التقية إلى رواياته، ويؤول بها أكثر كلامه، ونعني به ما رواه فضيل قال: (( كنت مع زيد بن علي في الطريق عند مسيره للمحاربة مع عسكر هشام [1] الطغاة، وبعد شهادة زيد رضي الله تعالى عنه، ذهبت إلى المدينة واجتمعت بالإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، فسألني وقال: يافضيل أكنت مع عمي حاضرًا في قتال أهل الشام .. ؟!، قلت: بلى، فهناك سألني عن عدد من قتلت منهم، قلت: ستة، فقال: لا تشك في إباحة قتل هؤلاء، وحل دمائهم .. ؟، فقلت: لو كان لي شك في استباحة دمائهم لم اقتلهم، فسمعته يقول: أشركني الله تعالى في تلك الدماء والله زيد عمي هو وأصحابه شهيدًا، مثل ما مضى على علي بن أبي طالب وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ) ) [2] ، فلماذا لم يتستر زيد بن علي بالتقية في هذا الموقف؟ ولماذا لم يحمل علماء الإمامية هذه الرواية على التقية؟، بطبيعة الحال لا يمكنهم ذلك؛ التقية لم تكن قد ذاعت وانتشرت كما في الأزمنة التالية، بل أرجح أن هذه العقيدة لم تظهر في زمن جعفر الصادق نفسه، وإنما نسبت إلى زمنه ممن جاء من بعده من رواة الإمامية، قال الآلوسي: (( ففي هذا التشبيه الذي في كلام الإمام جعفر الصادق الناطق بالحق أنه أعتقد أن حال الإمام زيد، وحال الأمير كرم الله وجهه بمرتبة واحدة ومن باب واحد، فلزم من ذلك إن زيدًا في جميع اعتقاداته على الحق، وإن خروجه أصالة لا نيابة صواب، وإلا فلا يسوغ الحكم عليه بالشهادة، وتشبيهه بحال الأمير ) ) [3] .

ومن خلال ذلك يمكن أن نقرر أن مصطلح الرفض كان سابقًا لمصطلح التقية، وبتقديرنا فإن التقية ظهرت بعد قتل الإمام زيد بن علي، أي بعد عام 121هـ؛ وليس قبل هذا التاريخ، لما قدمناه من روايات، ويعضد ما ذهبنا إليه عدم وجود رواية - حتى في كتب الشيعة نفسها - عن علي بن الحسين المشهور بزين العابدين (وهو الإمام المعصوم الرابع عند الإمامية) تصرح بالتقية، بل الوارد عكس ذلك، كما رواه الإمامية عنه في داعائه المشهور، والذين كان يترضى

(1) هو هشام بن عبد الملك بن مروان، أبو الوليد، الخليفة الأموي القرشي، ولد سنة 72هـ، وأصبح خليفة في سنة 105هـ، قال ابن سعد عن سحبل بن محمد: ما رأيت أحدًا من الخلفاء أكره إليه الدماء، ولا أشد عليه مثل هشام، وقد دخله من مقتل زيد بن علي وابنه يحيى أمر شديد، حتى قال:"وددت لو كنت افتديتهما"؛ مات سنة 125هـ. طبقات ابن سعد: 5/ 326؛ تاريخ الطبري: 4/ 111 وما بعدها؛ سير أعلام النبلاء: 5/ 351.

(2) أمالي الصدوق: ص 349؛ المجلسي، بحار الأنوار: 46/ 171.

(3) سعادة الدارين بشرح حديث الثقلين منشورة في مجلة الحكمة العدد: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت