فهرس الكتاب
فيه على الصحابة والتابعين بدون استثناء لأحدٍ منهم، فكان يقول: (( اللهم واوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمونا، خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا على قفوا آثارهم والائتمار بهداية منارهم ) ) [1] ، ومن دعائه لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: (( اللهم وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة الذين احسنوا الصحبة وابلوا البلاء الحسن واسرعوا في نصره وسابقوا إلى دعوته واستجابوا لهم حيث فارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به وكانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته ) ) [2] ، ولا يمكن أن يكون الإنسان يتاقي في دعائه وهو بينه وبين ربه، وعلي بن الحسين مشهور عند الفريقين بحسن عبادته وكثرة سجوده حتى لقب رحمه الله بالسجاد [3] .
وهذا ابنه محمد المشهور بالباقر حاله حال أبيه في تركه للتقية بين أعوانه وأنصاره، وكان يجهر بترضيه على الشيخين، فمن ذلك ما روي عنه أن جماعة خاضوا عنده في أبي بكر وعمر وعثمان فقال لهم: (( وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالايمَانِ .. } [الحشر: 10] ) ) [4] .
فالتقية لم يقلها الأئمة ولم يعملوا بها وإنما نسبها الرواة إليهم، وقد حرّف علماء الإمامية معظم معاني الأخبار ونصوص الروايات الواردة في كتبهم وصرفوا دلالتها إلى التقية بدعوى أن الأئمة كانوا يتاقون خشية من خلفاء بني أمية وبني العباس، ولكن مثل هذه الدعوى لا يمكن أن تصمد كثيرًا إذا رجعنا مرة أخرى إلى رواياتهم، فقد روى الأردبيلي: (( أنه سئل الإمام أبي جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة فقال الراوي: أتقول هكذا فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم الصديق، نعم الصديق نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق، فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة ) ) [5] ، وفي رواية يرد بها الباقر على من قال إن كلامه هذا تقية عند سئل عن الشيخين: (( قال: إني أتولاهما، فقيل له: إنهم يزعمون أن ذلك تقية؟ فقال: إنما يخاف الأحياء ولا يخاف الأموات، فعل الله بهشام بن
(1) الصحيفة السجادية: ص 48.
(2) المصدر نفسه: ص 48.
(3) أما فيما يخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والسبطين رضي الله عنهم، فأن أمرهم أشهر من أن يذكر هنا، وهم سادة أهل البيت في أقوالهم وأفعالهم، ويمكن مراجعة نقض التقية عن أعمالهم وأقوالهم فيما أورده الآلوسي (رحمه الله) من روايات في مختصر التحفة الاثني عشرية: ص 290 وما بعدها.
(4) أبو نعيم الحلية: 3/ 137؛ الطبري، الرياض النضرة: 1/ 298.
(5) كشف الغمة عن معرفة الأئمة: 2/ 148. وأخرجه من أهل السنة أبو نعيم، حلية الأولياء: 3/ 185؛ وعزاه ابن حجر الهيثمي إلى الدارقطني كما في الصواعق المحرقة: ص 79.