الصفحة 32 من 35

يبين لك سوء معتقد هؤلاء القوم في رفضهم لروايا أهل البيت حتى لو كانت في كتبهم المعتمدة، وسبيلهم الوحيد في ذلك عقيدة التقية التي أبتدعوها وزينوها وساروا على نهجها.

وخلاصة ما يمكن أن نقوله إن الشيعة الإمامية قد أتخذوا عقيدة التقية جزءًا لا يتجزأ من دينهم، وهو الأساس الذي تعتمد عليه علاقتهم مع أهل السنة والجماعة، إذ الأصل عندهم هي التقية، وما شذ عنها فهو من باب الشذوذ عن القاعدة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( إن أساس النفاق الذي بنى عليه الكذب وهو أن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه، كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية ) ) [1] ، ولذا من الصعب أن تأخذ شيئًا من هؤلاء القوم يمكن أن تعتمد عليه وتستند إليه، وهو الأمر الذي يجب أن يعرفه من يحاول أن يتقرب منهم، نسأله تعالى أن يحفظنا من الشرك والنفاق والزلل.

المبحث الثالث

الإكراه والتقية

الإكراه:

لا بد من الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية لم يفرقوا في مباحثهم العقدية والفقهية بين مصطلحي التقية والإكراه، بل إن التقية عندهم لها صلتان، فعليها تبنى فروعٌ كثيرة، وعلى أساسها تأصل العقائد وأصول الدين [2] ، ولهذا السبب كثر تخبطهم في معظم المسائل التي تداخل بين هذين المصطلحين، على الرغم من أن الفرق بينهما واضح يعتمد على تعريف الفقهاء وأهل الأصول للإكراه، الأمر الذي نرى من الضروري بيانه هنا:

الإكراه في اللغة جاء من الفعل: (كَرَهَ) ، والاسم: (الكَرهُ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه، بمعنى: أقهرك عليه، وأما (الكُرْه) فهو المشقة، يُقال: قمت على كُرْهٍ، أي: على مشقة [3] ، وحكمه في اللغة: (( عبارة عن حمل إنسان شيء يُكْرَه، يقال: أكرهت فلان إكراهًا أي حملته على أمرٍ يكرهه ) ) [4] .

أما في الاصطلاح فقد عرفه المناوي بأنه: (( حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد ) ) [5] ، وعرفه البركتي بأنه: (( إجبار أحد على أن يعمل عملًا بغير حق من دون رضاه بالإخافة ) ) [6] ، أما السرخسي فقد عرف الإكراه بقوله: (( الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره ) ) [7] ، ومن خلال هذه التعاريف يبدو أن المعنى فيها متقارب من حيث إن المكلف يضطر إلى الفعل بسبب ضغط لا يقوى على رده، بعبارة أخرى أن الأمر المشترك بين العبارات المتقدمة تقيد الإكراه بوجود مؤثر خارجي يلجئ من خلاله الفرد

(1) منهاج السنة النبوية: 2/ 46.

(2) مكرم الشيرازي، القواعد الفقهية: 1/ 386.

(3) لسان العرب، مادة كره: 12/ 80.

(4) البحر الرائق: 8/ 79.

(5) التعريفات: ص 84.

(6) القواعد الفقهية: ص 188.

(7) المبسوط: 24/ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت