فهرس الكتاب
إلى فعل شيء لا يريد فعله، فإذا زال هذا المؤثر، فلا بد أن يعود المكلف إلى أصل العمل، ولذا قال الفقهاء بأن فعل المُكرَه لا ينسب إليه وإنما ينسب للمُكرِه [1] .
وقد وردت الإشارة إلى الإكراه في القرآن الكريم قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (( أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا ) ) [2] ، وقوله تعالى أيضًا: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإكراه وبين حكمه عندما قال: (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ) [3] ، ويروى أن صفوان الطائي كان نائمًا مع امرأته وأخذت المرأة سكينًا وجلست على صدره، وقالت: (( لأذبحنك أو تطلقني فناشدها بالله فأبت، فطلقها ثلاث، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا قيلولة في الطلاق ) ) [4] .
وعند العودة إلى ما قدمناه من تعاريف للتقية سواء الواردة عند أهل السنة أو عند غيرهم خاصة الشيعة الإمامية نلاحظ فروق جوهرية بينها، يمكن أن نستعرضها بالآتي:
1.إن الإكراه هو فعل يقع تحت تهديد شخص معين، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بالوعيد الشديد بالأذى، في حين أن التقية هي فعل المكلف عمله باختياره مظنة وقوع التهديد، ولذا فإن فعل المكرَه لا ينسب إليه ولكن ينسب للمكرِه، في حين أن أحدًا لم يقل بأن فعل المتقي ينسب لغيره من أهل الإسلام.
2.التقية عند أهل السنة في مفهومها العام رخصة عند غلبة الكفار على المسلمين، في حين أن الإمامية لا يعتدون بذلك، بل التقية وفق تعريفهم كما تقدم هي (مكاتمة المخالفين) ، ويعنون بهم من لا يعتقد عقائدهم من المسلمين، وهذا فيه فرق واضح.
3.إن التقية عند الإمامية لا يعتبر فيها إكراه أو تعذيب، بل يكفي فيها خوف الضر على النفس أو ما يتعلق به، وإن لم يكن هناك مكرِه. وتعضد هذه القاعدة عندهم
(1) المصدر نفسه: 24/ 39.
(2) تفسير ابن كثير: 1/ 311.
(3) أخرجه ابن ماجة، السنن، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي: 1/ 659، رقم 2043؛ الحاكم، المستدرك: 2/ 216، رقم 2801؛ البيهقي، السنن الكبرى: 6/ 84.
(4) قال الحافظ ابن حجر لفظ: (( لا قيلولة في الطلاق ذكره ابن أبي حاتم في(العلل) عن أبي زرعة وأنه واهٍ جدًا )). تلخيص الحبير: 3/ 217.