الصفحة 34 من 35

روايات كثيرة منها ما رووه عن جعفر الصادق أنه قال: (( التقية جنة المؤمن ) ) [1] ، وفي رواية أخرى عنه أيضًا: (( التقية ترس المؤمن ) ) [2] ، وهنا فقد التعريف شرطًا مهمًا اتفق عليه العلماء وهو ركن من أركان الإكراه.

ولا شك في أن أحكام الإكراه ومضامينه اللغوية والشرعية تختلف اختلافا عظيمًا؛ خاصة في أثر الأعمال الواقعة من قبل المكلف، لأنه لا يمكن الاعتداد بها وإلزام فاعلها بنتائج فعلها كما تقدم، لذا فإن محاولة الخلط بين التقية والإكراه من الصعوبة بمكان حتى في عرف الإمامية أنفسهم، لأنها تختلف من حيث الملاك والمغزى، كما هو موضح أدناه.

أنواع الإكراه وشروطه:

اختلف العلماء في بيان أنواع حالات الإكراه التي تقع على المكلف، وهذا الأمر أدى إلى اختلافهم في تفاصيل المسائل الفقهية التي يقع الإكراه فيها، قال الكاساني: (( ما يقع عليه الإكراه في الأصل نوعان: حسي وشرعي، وكل واحد منهما على ضربين: معين ومخيّر فيه، أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر والإتلاف والقطع عينا، وأما الشرعي: فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة ) ) [3] ، ومن خلال هذا الكلام نلاحظ أن تقسيم الإكراه كان بحسب ما يقع عليه الفعل، وهو قريب من تقسيم ابن حزم له.

إلا أن التقسيم الأشهر ما قرره فقهاء الحنفية في بيان أنواع الإكراه هو [4] :

1.الإكراه الملجئ: وهو نوع يوجب الإلجاء والاضطرار، كالقتل والقطع والضرب الذي يخشى فيه تلف النفس أو العضو، وقد يسمى إكراهًا تامًا.

2.الإكراه غير الملجئ: وهو لا يوجب الإلجاء والاضطرار كالحبس القصير والقيد والضرب.

من الواضح أن هذا التقسيم قد أخذ فعل المكلف محورًا، واعتمده في تقرير نتائج الإكراه، مع الأخذ بعين الاعتبار وقوع التهديد الفعلي دون غلبة الظن في ذلك، فلا يعتد بالحكم على فعل معين بأن له أحكام الإكراه إلا إذا توفرت أركان الإكراه وهي: المكرَه وهو الذي وقع الفعل منه، والمكرِه: وهو من يصدر منه التهديد والوعيد على المكرَه بشرط يقين الأخير من كونه قادر على إيقاعه به لا محالة، والركن الثالث هو: المكرَه به: وهو نوع المكره المتوعد به، وأخيرًا المكرَه عليه: وهو الفعل الذي يراد تنفيذه.

وهنا تقسيم آخر للإكراه، فقد قسم ابن حزم الظاهري الإكراه إلى قسمين الأول هو: (( إكراه الكلام، ولا يجب به شيء، وإن قاله المكرَه، كالكفر والقذف والإقرار والنكاح ... الخ ) ) [5] ودليل ابن حزم في ذلك أنه حاكٍ للفظ، وذلك لا يترتب عليه أذى لمعين، كما أنه في الوقت نفسه لا يلزم نفسه بشيء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ) ) [6] ، قال ابن حزم: (( فصح أن كل من أكره على قولٍ ولم ينوه مختارًا فإنه لا يلزمه ) ) [7] .

أما النوع الثاني من الإكراه عند ابن حزم فهو إكراه الفعل، وهو بدوره ينقسم إلى قسمين أيضًا: (( إحدهما - كل ما تبيحه الضرورة , كالأكل والشرب فهذا يبيحه الإكراه ; لأن الإكراه ضرورة , فمن أكره على شيء من هذا فلا شيء عليه ; لأنه أتى مباحا له إتيانه، والثاني - ما لا تبيحه الضرورة , كالقتل , والجراح , والضرب , وإفساد المال , فهذا لا يبيحه الإكراه , فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان ; لأنه أتى محرما عليه إتيانه ) ) [8] ، ولكن ابن حزم لا ينس أن يقرر ضرورة وقوع الإكراه فعلًا على المكرَه، ويقين الأخير بأن الضرر واقع عليه لا محالة، وغير ذلك لا يمكن أن يسمى إكراهًا لأن الإكراه بنظره: (( هو كل ما سمي في اللغة إكراها , وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به , والوعيد بالضرب كذلك أو الوعيد بالسجن كذلك , أو الوعيد بإفساد المال كذلك , أو الوعيد في مسلم غيره بقتل , أو ضرب , أو سجن , أو إفساد مال ) ) [9] .

ولم يجعل العلماء هذه التقسيمات هي القول الفيصل، وإنما وضعوا شروطًا للإكراه كأساس في وقوعه وتتمثل بالآتي [10] :

1.قدرة المكرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم.

2.عجز المكرَه عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقامة.

3.ظنه أنه إن امتنع عما أكره عليه أوقع به المتوعد.

(1) الكافي: 2/ 220؛ وسائل الشيعة: 16/ 204.

(2) الكافي: 2/ 221؛ وسائل الشيعة: 16/ 205.

(3) بدائع الصنائع: 7/ 176.

(4) رد المختار:6/ 128؛ بدائع الصنائع: 7/ 175.

(5) المحلى: 8/ 329.

(7) المحلى: 8/ 230.

(8) المصدر نفسه: 8/ 230.

(9) المصدر نفسه: 8/ 230.

(10) السيوطي، الأشباه والنظائر: ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت