د. عطية فياض
أستاذ الفقه المقارن المشارك بكلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن الله ـ سبحانه ـ قد حفظ دينه وشريعته بقوله تعالى [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] (الحجر:9) والذكر كما فسره كثير من العلماء هو القرآن والسنة معا وهما أصل التشريع الإسلامي، ولتحقيق إرادة الله في حفظ شريعته وصلاحيتها لكل زمان ومكان فقد عكف عليها رجال أفذاذ من رجالات الأمة في شتى عصورها المختلفة وخاصة قرون الخير الأولى تفسيرا وشرحا وفهما واستنباطا، أزالوا المشكل، ووضحوا المبهم، وشرحوا الغريب، ووقفوا على روح الشريعة ومقاصدها، وقواعدها، واستنبطوا من نصوصها ما يجعل الشريعة مهيمنة على كل ما يستجد من حوادث إما بسعة النص وشموله لها، أو بالبحث عن علة جامعة مشتركة بين ما نص عليه وما لم ينص عليه، أو سوى ذلك من مناهج الاجتهاد والاستنباط المختلفة، والتي تعددت واختلفت لأسباب متعددة منها: اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه، ومنها: سعة العلم أو ضيقه، ومنها: اختلاف البيئات وغير ذلك حتى كونت جملة من المدارس الفقهية عرفت فيما بعد بالمذاهب كتب لبعضها الانتشار والذيوع وصار لها أتباع وأنصار، ومُكِّن لها في الحكم والفتوى والقضاء، وأخرى أفل نجمها ولم تعد سوى أقوال مسطورة في بطون الكتب لا يعرف بها إلا المختصون في الدراسات الشرعية.
وقد اختلفت نظرات البعض لهذه المذاهب والمدارس الفقهية فبينما يعتبرها البعض دليل ثراء للشريعة الإسلامية وعاملا من عوامل السعة والمرونة فيها، وسببا من أسباب فاعليتها والحفاظ عليها، وتيسيرا على غير من لم يبلغ رتبة النظر والاجتهاد في علوم الشريعة فحسبه تقليد مذهب من المذاهب أو عالم من العلماء المعتبرين، وربما غالى البعض فجعل التمذهب واجبا شرعيا، وغالى بعضهم أكثر فجعل التمذهب للمذاهب الأربعة المشتهرة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) فقط دون غيرها إن لم يكن لمذهبه الذي يعتنقه، وعلى الجانب الآخر فقد اعتبرها آخرون سببا من أسباب الفرقة والتشتت؛ وتزكية للتعصب والخلاف وشرخ وحدة الأمة، فضلا عن كونها ـ فيما يدعى ـ من محدثات الأمور التي لم تكن في الأزمنة الفاضلة.
ولأهمية إجلاء الأمور وتحقيق هذه المسألة كانت هذه الورقة (التمذهب الفقهي بين الغالين فيه والجافين عنه) آملين توضيح حقيقة التمذهب الفقهي، وضوابطه الشرعية، وتشتمل هذه الورقة على مسألتين:
الأولى: في المراد بالتمذهب، والمذهب الفقهي.
الثانية: الحكم الشرعي لتقليد المذاهب الفقهية وضوابطه.
المسألة الأولى: التعريف بالمذهب، والتمذهب، والفقه.