رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت: نعم. قال:"استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" [1] فهذا تصريح بأن ما حاك في نفسك ففعله إثم."
وقيد ابن أمير الحاج هذا القيد بقوله:"وأما انشراح صدره للتقليد فليس على إطلاقه .. .. لأن هذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره بالإيمان وكان المفتي له يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي. فأما ما كان مع المفتى به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه , وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخص الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال فهذا لا عبرة به , وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم -أحيانا يأمر أصحابه بما لا ينشرح به صدر بعضهم فيمتنعون من فعله فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم، والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مقاضاته لقريش على أن يرجع من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم، وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب (36) وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الرضا والإيمان به والتسليم له كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} النساء (65) وأما ما ليس فيه نص عن الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء , وحاك في صدره لشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره , وإن أفتاه هؤلاء المفتون وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا"0 [2]
السادس: أن يعتقد فيمن يقلده الفضل من حيث علمه وعمله، ويتجنب الأميين، ومدعي العلم، والرؤوس الجهال التى تفتي بغير علم فتضِل وتُضِل، والأصل أن المسلم يجل كافة العلماء ويوقرهم.
فإذا توافرت القيود المذكورة جاز الانتقال من قول إلى قول، وعليه يحمل قول من قال بإباحة تتبع الرخص استدلالا بعموم النصوص الداعية إلى التيسير والترفق.
ثالثا: إلزام الدولة رعاياها بمذهب من المذاهب.
هل يجوز للدولة إلزام رعاياها بمذهب من المذاهب كالحنفية مثلا أو الشافعية أو المالكية أو الحنابلة فتمنع عليهم أن يقلدوا غيره؟
يفرق في ذلك بين المجالات التي للدولة سلطان فيها وما لا سلطان للدولة فيه، فما للدولة فيه سلطان هو القضاء ومسائل السياسة الشرعية، وقطع النزاع بين الناس، ودرء المفاسد عنهم، وضبط المؤسسات الاقتصادية والسياسية وغيرها في المجتمع فهذا المجال يجوز للدولة فيه أن تلزم بما تراه محققا للمصلحة، وأن يكون لها خيارات فقهية من أكثر من مذهب أو عالم، أما ما لا سلطان للدولة فيه كالعبادات والمعاملات الفردية فهذا خارج عن نطاق سلطانها، ولا يضيرها أن يتوضأ الرجل من
(1) - الحديث رواه أحمد - مسند الشاميين - حديث وابصة بن معبد - رقم 17545، وعند الدارمي - كتاب البيوع - باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك - رقم 2533، ويراجع: جامع العلوم والحكم - ج2/ 93
(2) - التقرير والتحبير - موضع سابق