من آنية الحوض التي عددها كنجوم السماء.
ومعنى أن لها مثل هذا العدد بل أكثر؛ فلكثرة الشاربين بأيديهم من الآنية الكثيرة.
وقد دعاني لكتابة هذا؛ ما يعتقده بعض الناس، بل ما جرى على ألسنة بعض الخطباء أو أئمة الصلوات، وكذلك فيما انتشر من أدعية، فنسمع كثيرًا، ويتردد في آذاننا دعاءهم المشهور بقولهم: (واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا) . معتقدين بدعائهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسقي المؤمنين بيده، وهذا اعتقاد خاطيء؛ من أين لهم أن النبي عليه الصلاة والسلام يسقي الناس بيده؟
فالإخبار بسقاية الرسول للناس؛ من الغيب، وأمور الغيب ينبغي الإيمان بها كما وردت، دون اختلاف فيها أو تأويل، أو زيادة أو نقصان بغير دليل، وأحوال الآخرة عمومًا تختلف عن أحوال الدنيا؛ هذه عقيدة السلف الصالحين، والأئمة التابعين ومن تبعهم، رضي الله عنهم أجمعين.
وهذا الخطأ يكون من نواحٍ، منها: أن هذا لم يثبت كما قدّمت آنفًا؛ فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أصحابه رضي الله عنهم أنه يسقي أحدًا بيده الشريفة، بل ثبت أن من ورد الحوض فإنه يشرب منه كما قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لآنيته أكثر مِنْ عدد نجوم السماء، وكواكبها في ليلةٍ مُظلمةٍ مُصْحيةٍ مِن آنية الجنة، من شَرِبَ شربةً منها لم يظمأ» رواه مسلم في كتاب الفضائل. وفي رواية عند أحمد: «مَن شَرِب منه لم يظمأ أبدًا» صححها الألباني في «الترغيب والترهيب» (439/ 3) .
فها أنت ترى في هذين الحديثين وغيرهما مما ثبت، أنه صلى الله عليه وآله وصحبه لم يذكر أنه يسقي أحدًا بيده، بل قال: «من شرب» أي: باشر الشرب بنفسه، وليس من أُشرِب، ولو أن الشرب بيده صلى الله عليه وآله وسلم؛ لذَكره عليه الصلاة والسلام تمامًا؛ مثلما ذكر بعض المشاهد الحاصلة عند الحوض من:
أن يذاد عن الحوض أناسًا من أمته.
وأنه فرط أمته على الحوض.
وأنه يقول سحقًا للمُبدِّلين لشريعته وسنته.
وأناسًا يضربهم الملائكة ... وهكذا.
كما أنه عليه الصلاة والسلام أيضًا علَّق في الأحاديث الشرب على ورود المؤمنين الحوض، وليس على أن يسقيهم هو بيده.
ولتأكيد ما سبق: أذكر دعاءً أورده ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله فيما يُدعَى به عند زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو: وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربًا رويًّا لا نظمأ بعدها أبدًا. انتهى من كتابه «الرد على الأخنائي» (1/ 106) .
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرح «العقيدة الطحاوية» (شريط 14) :
وهذا التشبيه بقوله «كنجوم السماء» نفهم منه صفتين:
الصفة الأولى: الكثرة، في أنَّ كثرتها كثرة نجوم السماء، وهذا يدل على مزيد راحة، وطمأنينة في الشرب منه وتناوله، وألا يكون هناك تزاحم على كيزانه، أو أنَّ الناس يشربون بأيديهم.
والصفة الثانية: أنَّ كيزانه أو كيسانه أو أباريقه، أو نحو ذلك كنجوم السماء في الإشراق والبهاء والنور؛ فنجوم السماء فيها صفة الكثرة، وفيها صفة النور والبهاء. انتهى كلامه.