الصفحة 13 من 13

وكذا لوقلت: أكرم زيدًا التميمي , ثم قلت له بعذ ذلك: لا تكرم تميميًا , فإنه بعد النهي يكون مصيبًا في الترك , وأما عدم إخراج الخلفاء لهم من بقية الجزيرة ـ التي منها اليمن ـ؛ فأما كون أبي بكر - رضي الله عنه - فقد صرّح العلامة محمد بن إبراهيم الوزير [1] رحمه الله بأن أبا بكر - رضي الله عنه - إنما تراخى عن تفيذ وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراجهم لهيجان فتنة أهل الردّة؛ التي شغلتهم عن ذلك عقيب موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأما عمر - رضي الله عنه - فقد أجلى جميع من قدِر على إجلائه حتى لحِق أكثرهم بأطراف الشام وبعضهم بسواد الكوفة , قيل: وكان الذي أجلاهم أربعين ألفًا من اليهود , وأما أمير المؤمنين ـ كرّم الله وجهه ـ [2] فشغله عن ذلك قتال البغاة معاوية وأصحابه وقد قال في بني تغلُب: (لئن مكّن الله وطأتي) .

وأما بني أمية وبني العباس فلا عبرة بفعلهم ولاتركهم , وأما الأئمة الراشدون من أهل البيت عليهم السلام الذين في اليمن: فمن طالع سِيَرهم وجد بعضهم شغله الجهاد عن ذلك , قال الذهبي في ذكر (النبلاء) : (إن الوقعات التي كانت بين الهادي عليه السلام وعلي بن الفضل ثمانون وقعة) , وبعضهم لم تتمكن وطأته ـ وهم القليل ـ , فيحتمل أنه رأى المصلحة فيما عدا الحجاز؛ بناءًا على أن العلّة في الإخراج وعدمه هي المصلحة , وهذا مُعَارَض بما صرّح به الشارع - صلى الله عليه وسلم - وهي (إرادة ألا يجتمع دينان في جميع جزيرة العرب) , ولايسوغ الإجتهاد في مقابلة النص ـ اتفاقًا ـ , نعم يلزم من كونه لا يجتمع دينان في جزيرة العرب مصلحة؛ كما تلزم المصلحة غيره من الأحكام؛ فإن جميع الأحكام مبينة على جلب المصالح ودفع المفاسد , على أن الحجة قول الله تعالى وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلاعبرة بما خالف ما ورد (به) الشارع من قول أحدٍ أو فعله كائنًا من كان.

وبالجملة فلا دلالة في ترك إخراجهم من بقية الجزيرة التي منها اليمن على عدم جواز إخراجهم منها؛ إذ عدم القول ليس قولًا بالعدم؛ فضلًا عن أن يكون عدم فعلهم دليلًا على عدم جواز إخراجهم لجواز عدم التمكّن أو الفراغ لذلك كما قدّمنا , والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

(1) هو محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى أبو عبد الله من آل الوزير مجتهد باحث من أعيان اليمن له (إثار الحق على الخلق) و (العواصم والقواصم) و (الروض الباسم) وغيره , أقبل في أواخر أيامه على العبادة , قال الشوكاني (توحّش في الفلوات وانقطع عن الناس) مات سنة (480) هـ. تنظر ترجمته (البدر الطالع) (2/ 81/93) , و (الضوء اللامع) (6/ 272) للسخاوي وغيره.

(2) انظر التعليق رقم (1) صفحة (7)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت