الصفحة 12 من 13

قلنا: وقال بعضهم: رواه مرسلًا , وهو أصح.

فلو سَلِم لكان حديثًا حسنًا مرسلًا , وهو لايعارض الصحيح المتصل ـ كما عُلِم ـ , حتى نحتاج إلى الجمع بينهما بما ذكرتم , ولو سَلِمَت المعارضة بقوة هذا المرسل بما في (كتاب الأموال) [1] , لأبي عبيدة مرسلًا قال: كَتَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن: (أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لايُفتن عنها , وعليه الجزية على كلّ حالم ... ) الحديث , وبما رواه ابن زنجويه في (الأموال) مرسلًا قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكَره ... , فهذه المرسلات إذا قيل أن كلاًّ منها يقوّي الآخر فتقوى بمجموعها على معارضة الأدلة الصحيحة المتصلة.

فنقول: إن أردتم أن العموم والخصوص بين جزيرة العرب وبين اليمن: المفهوم من أمره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - أن يأخذ من كلّ حالم دينار , فليست جزيرة العرب عامّة إذ العام: الكلمة الدالّة دفعة واحدة على جميع مايصلح له لوضع واحد , وجزيرة العرب ليست كذلك؛ بل هي علم شخصي كاليمن وصنعاء ومكة والمدينة , ولو سلِم أن العموم والخصوص بين اليمن وجزيرة العرب بناءًا على ماقدّمنا: من أن العام قد يقال على اللفظ المخرج عنه , وإن لم يكن عامًا اصطلاحًا , فالجواب عنه: هو الجواب على الترديد الثاني وهو أن العام المتأخر بمدّة ـ يَسَع للعمل ـ ناسخ للخاص المتقدم كما سيأتي بيانه ,

وإن أردتم أن يهود اليمن خاصة بالنسبة إلى اليهود المذكورين في قوله - صلى الله عليه وسلم - (لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب) [2] وقوله - صلى الله عليه وسلم - (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [3] وغيرهما , فَمُسلَّم ولكن نمنع أن الخاص المتأخر بمدة ـ يتسع للعمل ـ غير ناسخ؛ بل الصحيح أنه ناسخ , وإليه ذهب جمهور أئمتنا والحنفية وغيرهم , لأن الخاص المتقدم وإن كان نصًّا في الأشخاص وفي زمان وروده فليس بظاهر في زمان العام المتأخر فضلًا عن كونه نصًّا فيه والعام المتأخر صار نصًّا في زمانه وظاهرًا في مدلول الخاص فوجب ترجيح العام المتأخر , وحينئذٍ لا يلزم نسخ الأقوى بالأضعف؛ لأن ورود العام بلا قرينة تدلّ على خروج الخاص مع ظهوره فيه أبطل قوّته.

وأما قولكم: إن تقدم الخاص قرينة قوية على أن المراد بالعموم المتأخر هو الخصوص , فصادره [4] ؛ لأن الظاهر أن العموم المتأخر رفعٌ للخصوص المتقدم , فإنك لو أمرت عبدك بشراء شيء معيّن ثم نهيته بعد ذلك عن شراء كل شيء فإنه لو شرى المعيّن لعدّه العقلاء مخالفًا للنهي غير ممتثل؛ وشراؤه ليس مستندًا فيه إلى أمرك ماذاك إلاّ أنه قد صار محجورًا حجرًا عامّا ,

(1) (الأموال) رقم (66) لأبي عبيد

(2) صحيح وتقدم.

(3) صحيح وتفدم.

(4) هكذا في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت