الإحتمالات التي يَخْرُج بها عن كونه حجة ظنية يعارض بها الأحاديث الصحيحية , نعم إن عُلِمَ سكوت الباقي رضىً بما فعله عمر - رضي الله عنه - , وعُلِمَ أيظًا أنه بلَّغَ الدليل على إخراجهم من جزيرة العرب إلى كلّ مجتهد منهم , وأنه لم يرجع عن ذلك الرضى؛ فإن عُلِمَ ذلك كان إجماعًا منهم على أن المراد بجزيرة العرب في الحديث هي: الحجاز خاصة , ويكون ذلك من الإجماع القولي لا السكوتي , لأن الطريق إلى العلم بالرضى: خفيّ لايُعلَم إلا بإخبارهم عن أنفسهم , وذلك يعيده إلى الإجماع القولي ودون ثبوت (هذه مقامه) [1] لا سبيل إليها.
قالوا: في حديث أبي عبيدة المتقدم: (أخرجوا يهود أهل الحجاز) , ويهود الحجاز خاص.
قلنا: إنما يتمشى التخصيص به على مذهب أبي ثور [2] , من أن الخاص إذا وافق حكمه حكْمَ العام خُصَّ به , وأئمتنا عليهم السلام وجماهير العلماء لا يقولون به إلا إذا كان للخاص مفهوم مخالفة , كما في نحو: (( في الغنم زكاة , في السائمة زكاة ) ),, كما تقرر في الأصول , وكذا لو قيل: إن العموم والخصوص بين الحجاز وجزيرة العرب بناءً على: أن العام قد يقال على اللفظ المُخْرَج عنه , والتخصيص قد يقال على قَصر اللفظ , فذِكر الحجاز على هذا من التنصيص على بعض أفراد العام.
قالوا: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث مسروق عن معاذ - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا , أو عدله من المغافر ـ ثياب تكون من اليمن ـ) [3] ,,
فهذا الحديث مخصص لليمن من عموم جزيرة العرب , ولايردّ أن بعض ماتقدم كان في مرضه - صلى الله عليه وسلم - , وأن إرسال معاذ سابق على ذلك لأن الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر , فإن تقدّم الخاص قرينة قوية على أن لم يُرد بالعام جميع ماتناوله , وإنما أُريد به مالم يتناوله الخاص , فلايضرّ تراخي التعميم , وذلك للجمع بين الأدلة.
قلنا: قال أبو داود: هو حديث منكر , وبلغني عن أحمد أنه كان ينكره وذكر البيهقي الإختلاف فيه: فبعضهم رواه عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ , وقال بعضهم: عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ لمابعث معاذًا , وأعلّه ابن حزم بالإنقطاع.
قالوا: حسّنه الترمذي.
(1) هكذا في الأصل
(2) الفقيه صاحب الإمام الشافعي , قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا , واسمه إبراهيم بن خالد أبو اليمان , وفاته سنة (240) هـ ببغداد , انظر ترجمته (تذكرة الحفاظ) (2/ 87) للذهبي , و (تاريخ بغداد) (6/ 65) للخطيب البغدادي.
(3) قال الألباني: قال الترمذي (حديث حسن) , وقال الحاكم (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي , قلت: وهو كما قالا , وقد قيل إن مسروقًا لم يسمع من معاذ؛ فهو منقطع ولاحجة على ذلك , وقد قال ابن عبد البر (والحديث ثابت متصل) وعزاه للدارمي وقال (وهذا سند حسن) (الإرواء) (3/ 268ـ271)