وأمّا اللّوازم العقلية: فهي لازمة لكلّ فعل متعدّ أو لازم بحسب مايقضيه منها , وكلامهم فيما يمتنع تصوُّر الفعل المتعدّي بدون تصوُّره.
قالوا: المراد بجزيرة العرب في الحديث: الحجاز مجازًا , من باب إطلاق اسم الكلّ على البعض , بدليل ماعند أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث أبي عبيدة بن الجراح , قال: آخر ماتكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال (أخرجوا يهود أهل الحجاز ... ) [1] الحديث.
قلنا: يحتمل أن المراد بالحجاز في الحديث: جزيرة العرب ـ مجازًا ـ , من باب إطلاق اسم البعض على الكلّ , بدليل الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب , وكلا المجازين شائع , فاختيار كونه من الأول دون الثاني يحتاج إلى قرينة تعيِّنه , لتعارض إرادة المجازين.
قالوا: فهم عمر وعمله يدلّ على ماقلناه من المجاز , وعمر من أهل اللسان.
قلنا: عمل الصحابي وفهمه ليس بحجة ـ مع قيام الدليل على خلاف ماعمل به وفهمه ـ.
قالوا: ذلك في الأحكام الشرعية , وأما في الأوضاع اللغوية؛ ففهم كلّ عربي ونقله واستعماله حجة , وقد عمل في الحديث بما فهمه لغة من أن المراد بجزيرة العرب: الحجاز , وأن المراد بالحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها [2] كيف وهو الراوي لقوله - صلى الله عليه وسلم - (لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب , ولاأترك فيها إلاّ مسلمًا) [3] .
قلنا: هذا لايفيد في المقصود؛ فغايته أنّ عمر - رضي الله عنه - ترك إخراجهم عن بقية الجزيرة , والترك لاظاهر له , فيحتمل أن عمر - رضي الله عنه - إنما شرع بإخراهم من تلك المواضع , ونيته على إخراجهم من جميع الجزيرة , ولم ينقل عنه مايدلّ على أن جزيرة العرب هي هذه المواضع التي أخرجهم منها فقط حتى يقال أنه فَهِمَ ذلك لغة , وغايته أن الترك كالفعل لاظاهر له ـ فكيف نترك ماصحّ عن الشارع لترك محتمل صدر من عمر - رضي الله عنه -.
قالوا: لم ينقل عن أحدٍ من الصحابة إنكار لفعل عمر - رضي الله عنه -؛ فكان إجماعًا.
قلنا: قول البعض أو فعله؛ وسكوت الباقي قبل تقرير المذاهب ليس بإجماع؛ بل ولاحجة عند الجمهور من أئمتنا ـ عليهم السلام ـ وغيرهم؛ لعدم الدليل على أحدهما كما عُلِمَ في الأصول , ولاحتمال أن بعضهم سكت هنا لكونه عرَفَ من حال عمر - رضي الله عنه - أن فعله هذا إنما هو مشروع في إخراجهم من جزيرة العرب؛ فما كلّ الصحابة يعلم جميع ماورَد عن الشارع , وأنّ بعضهم سكت توقّفًا وغير ذلك من
(1) أخرجه الإمام أحمد في (مسنده) (1/ 195) , والبيهقي في (الكبرى) (9/ 208) , وأبي نعيم في (الحلية) (8/ 385) , وزاد الهيثمي في (مجمع الزوائد) (5/ 325) : أبو يعلى وقال: أحمد باسنادين ورجال طريقين منها قات متصل إسنادهما , وقال الألباني على إحدى إسنادي أحمد: حسن أو صحيح وزاد: الدارمي (2(233) , والحميدي (85) , والطيالسي (229) , وأبو عبيد في (الأموال) (276) , والطحاوي في (مشكل الآثار) (4/ 12) وقال: له شواهد كثيرة.
(2) يعني: قراها.
(3) صحيح وتقدم.