وأيظًا: فقد أخرج أحمد والبيهقي من حديث عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (لئن عشت إلى قابِل: لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لاأدع إلا مسلمًا) [1] , وأصله في مسلم بدون قوله (لئن عشت إلى قابل) .
قالوا: مُعارض بمفهوم الغاية في قوله تعالى (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: 29) , فإن الله سبحانه أمر بالمقاتلة لأهل الكتاب إلى غاية وهي: إعطاء الجزية , ولم يصرّح في الآية الكريمة بمكان؛ لاعام ولاخاص , ولابدّ من اعتبار المكان؛ إذ كل حديث لابدّ له من مكان عقلًا , والحذف يحتمل أن يكون للتعميم كما (هو) معروف عند من له معرفة ببلاغة الكلام.
قلنا: مفهوم الغاية في الآية الكريمة يقضي بأنه لايجوز مقاتلتهم مع تسليم الجزية , وهذا المفهوم بعد تسليم كونه حجة: يدل على عدم قتالهم الذي هو المُغَيّا بهذه الغاية , لاعلى عدم إخراجهم , فلايعارض هذا المفهوم أدلة إخراجهم التي صحّت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , ولو سلم دِلالة مفهوم الغاية في الآية الكريمة على ذلك؛ فالمفهوم لايُعارِض ما يدلَّ بمنطوقه ـ اتفاقًا ـ.
وكون متن الآية الكريمة قطعي , ومتن الآثار المذكورة ظني: لايجدي في المقصود؛ إذ المفهوم هنا من حيث كونه مفهومًا ظني , وللعلاّمة ابن دقيق العيد [2] في معارضة مفهوم القطعي للمنطوق الظني كلام يحسن نقله هنا , (فلم يكن لديّ حال الرقم)
أيظًا: على أنّ تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم , وإفادته أصل المعنى عند الشيخ عبد القاهر [3] والتعميم عند السَّكاكي [4] إذا كان المقام خطابي مع عدم الحقيقة أو البعضية: إنما يكون عند عدم ذكر المفعول به بلاواسطة أو بها.
وأما عدم ذكر اللوازم العقلية للفعل من المكان , وهيئة الفاعل والمفعول وغيرها: كالآلة فيما يحتاج فيه إليها فلا يَجري فيها ماذكَره أهل البيان في ترك المفعول , فلايقال: حَذَفَ المكان او الهيئة أو الآلة لقصد التعميم؛ إذ كلامهم في تنزيل الفعل المتعدّي منزلة اللّازم بعدم تقرير المفعول به بلا واسطة , أو بها.
(1) أبو داود في (سننه) (3030) , كتاب الخراج , باب في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب , والترمذي (1606 ,1607) , كتاب السير , باب ماجاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب , وقال: حسن صحيح , والحاكم (4/ 274) , والبيهقي (9/ 207) , والإمام أحمد (1/ 32) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بألفاظ متقاربة , وصححه الألباني وغيره.
(2) هو القاضي محمد بن علي بن وهب , تقي الدين القشيري , المعروف كأبيه وجدّه بابن دقيق العيد: مجتهد من أكابر العلامء بالأصول , ولي قضاء الديار المصرية سنة (695) هـ واستمر بها حتى توفي سنة (702) هـ.
انظر ترجمته (الدرر الكامنة) (4/ 91) للحافظ العسقلاني , وشذرات الذهب (6/ 5) لابن العماد وغيرها.
(3) لعله الجرجاني , ابن عبد الرحمن بن محمد أبو بكر , واضع أصول البلاغة , كان من أئمة اللغة صاحب (دلائل الإعجاز) وغيره وفاته سنة (471) هـ.
(4) هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي؛ عالم بالعربية والأدب له (مفتاح العلوم) وفاته سنة (626) هـ. انظر ترجمته في (شذرات الذهب) (5/ 122) , و (بغية الوعاة) (425) وغيرها.