الصفحة 8 من 13

فهذه الثلاثة الأدلة ـ أعني تقديم الخاص المتقدم على العام المتأخر ودلالة الحذف على العموم , وكون المقام خطابي ـ الظاهر صحتها , فتفضّلوا ببيان وجهها من الضعف , أو أرجحية رسالة القاضي أحمد , انتهى كلام العلامة الجمالي ـ حفظه الله ونفع بعلومه ـ

وأقول وبالله التوفيق:

نتكلّم هنا على أصل المسألة ـ وهو وجوب إخراج اليهود من جزيرة العرب ـ وبه يتضح صحة ماذهب إليه القاضي أحمد بن صالح؛ من وجوب إخراج اليهود من جزيرة اليمن.

فاعلم أنه ذهب أئمتنا ـ عليهم السلام ـ [1] وكثير من العلماء الأعلام؛ إلى وجوب إخراجهم من جميع جزيرة العرب التي منها: اليمن.

وجزيرة العرب كما في (القاموس) [2] وغيره: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو مابين عدن (أبْيَنْ) إلى أطراف الشام طولًا , ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا [3] .

وذهب آخرون إلى أن الواجب: إنما هو إخراجهم من الحجاز خاصّة.

لنا ماعند البخاري ومسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - بلفظ: (اشتد الوجع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب .... ) [4] الحديث.

قالوا: المشرك أخصّ من الكافر , والأمر بإخراج الأخصِّ لايلزم منه الأمر بإخراج الأعمّ.

قلنا: الشرك في الحديث , مراد به: الكفر مطلقًا بدليل ماعند أحمد في (مسنده) موصولًا من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ بلفظ: (آخر ماعهد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يترك بجزيرة العرب دينان) [5]

والشرك يستعمل في لسان الشارع ـ تارة ـ بمعنى عبادة الأوثان , وتارة بمعنى الكفر مطلقًا , ومن الثاني قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) (النساء: 48) ,

(1) نقل السفاريني في غذاء الألباب عن الحافظ 1بن كثير مانصه (قد غلب في عبارة النسّاخ للكتب أن يفرد علي ـ - رضي الله عنه - ـ بأن يقال ـ عليه السلام ـ من دون الصحابة أو ـ كرّم الله وجهه ـ وهذا وإن كان معناه صحيحًا , لكن ينبغي أن يسوّى بين الصحابة في ذلك , فإن هذا من باب التعظيم والتكريم , والشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى منه)

وفي الأذكار للنووي أن: هذا أصبح من شعار أهل البدع يعني التخصيص دون بقية الصحابة والأئمة فلايشرع.

(2) (القاموس) مداة (ج ز ر)

(3) غير واضحة بالأصل , صوبناها من القاموس.

(4) البخاري (3053) ـ فتح ـ , كتاب الجهاد والسير باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة؟ ومسلم (20) كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس شيئ يوصي فيه. قال النووي في (شرح مسلم) (11/ 136) : (وأخذ بهذا الحديث: مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب , وقالوا: لايجوز تمكينهم من سكناها ... )

(5) أخرجه في (مسنده) (6/ 275) , زاد الهيثمي في (مجمع الزوائد) (4/ 325) : الطبراني في (الأوسط) وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت