فأقول ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ .
أما أولا فلأن أصحاب الحديث منهم من صرح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة ، كما رواه الخطيب من طريق المروذي عن أحمد بن حنبل ، ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة بأن القرآن غير مخلوق ، وتلك الروايات معروفة في
( تاريخ بغداد ) و ( مناقب أبي حنيفة ) وغيرها ، فكيف يظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه ويخرجوه من صفهم مع عدم استغنائهم عنه إلى صف مخالفهم؟.
وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلهم بين سفيه فاجر كذاب ، وأحمق مغفل يستحل الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح ؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين ؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عظم الدين وهو الاعتقاديات ويتبعون فيها الأهواء والأوهام ؟ ! يقال لأحدهم قال الله عز وجل ... ، وقال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: فتلتوي عنقه ويتقبض وجهه تبرمًا وتكرهًا ، ويقال له: قال ابن سينا ... ، فيستوي قاعدًا ويسمو رأسه وينبسط وجهه وتتسع عيناه وتصغي أذناه كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها . فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ !!
وأما ثالثًا: فإن ما يسميه الأستاذ (( مثالب أبي حنيفة ) )أكثرها كان معروفًا قبل المحنة ولهذا احتاج الأستاذ إلى مساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وسفيان بن سعيد الثوري وحماد بن سلمة .
وأما رابعًا: فقد أثبتها في كتبه أو أثبت مقتضاها من عاصر المحنة وعرف ما لها وما عليها كيعقوب بن سفيان والبخاري وهل يتهم البخاري إلا مجنون ؟ .
وأما خامسًا: فإن تلك المشادة لم تقتصر على أصحاب الحديث بل كان لأصحاب أبي حنيفة النصيب الأوفر من اختلاق الحكايات في مناقبه ، بل جاوزوا ذلك إلى وضع الأحاديث كحديث: (( يكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة ، هو سراج أمتي ، هو سراج أمتي ، هو سراج أمتي ) )، وزاد بعضهم فيه (( وسيكون في أمتي رجل يقال ##