يواجه العاملون في حياتهم الحركية فترات قد تطول أو تقصر تختلف في معالمها الاجتماعية والسياسية عما اعتادوه طوال الأعوام السابقة. وذلك عندما تشتد ظروف المواجهة والعمل السياسي. مما يفرض عليهم التعايش مع الظروف الجديدة بكل ما تحمله من معاناة ومصاعب. كما هو الحال دائمًا في ساحات العمل وخصوصًا في ساحات الهجرة التي تشغل منطقة كبيرة في مسار التحرك الاسلامي.
وكان هذا هو بالضبط ما واجهناه في سنوات هجرتنا الطويلة، عندما فرضت علينا الاجواء السياسية والظروف الصعبة أن نغيّر مواقع التحرك، وان ننطلق في صراعنا السياسي من ساحات اضافية جديدة، تختلف في وجوه عديدة عن ساحتنا التي تكونت فيها الشخصية، تبلور فيها الفكر، ونضج فيها الفهم السياسي.
صحيح ان ساحات الهجرة كانت توفر لنا جو الأمن الذي فقدناه هناك في العراق. لكن هذه الميزة لم تشكل بالنسبة لنا امتيازًا اجتماعيًا أو سياسيًا، بحيث تسكن اليه النفس وتسترخي فيه الأعصاب، لأننا لم نكن نبحث عن اجواء هادئة لتقضية الوقت ولم نرد الابتعاد عن مسرح العمليات الملتهب. لم نكن كذلك. بل كنا نبحث عن المناخ المناسب الذي نستطيع من خلاله استثمار الوقت للدرجة القصوى، لنختصر المعاناة على الذين بقوا هناك داخل الحدود والسجون والخوف. وكنا نريد الدخول إلى مسرح العمليات في قوة جديدة وباستعدادات مناسبة تنسجم مع طبيعة المواجهة الصعبة.
ولا اشك مطلقًا في موضوعية هذا الوصف ودقته. يكفي ان اقول ان الكثير من مجاهدي الحركة الاسلامية عندما هاجروا عن العراق باشروا في تطوير وتصعيد مشروع العمل الجهادي منذ اليوم الأول، ولما تسترح أقدامهم بعد من تعب الرحلة، ولم تسترح أبدًا حتى فارقوا الحياة شهداء سعداء مرضيين.