ولقد قدر لي أن أرصد الكثير من هذه الحالات بحكم العمل وفي نفس الوقت أتعذب بذكرياتها وما أزال، فمن ذا الذي يستطيع أن ينسى اخوة كرامًا مجاهدين كانت الحياة عندهم زهيدة من أجل عقيدتهم وأمتهم.
وعلى هذا النمط من الظروف ومن اجواء العمل الاسلامي المتلاحق الخطوات، طوينا الثمانينات، مثلما طوينا من قبل سنوات طويلة في خط التغيير الفكري والاجتماعي مع الاوساط الجماهيرية المسلمة بمختلف فئاتها وشرائحها.
لا أريد من خلال هذا الحديث أن أستعرض تجارب الماضي في كلام عن فصول المحنة الرهيبة والمآسي المروعة التي عاشها الشعب العراقي بكل قطاعاته، والمسيرة الجهادية الدامية للحركة الاسلامية. فلست بصدد تسجيل الذكريات عن أحداث الماضي، لكنني استندت في هذا الحديث الخاطف على أساس ان القيمة الحقيقية للفكر الحركي انما تتحد في ضوء التجربة العملية. فالتجربة تخرج الفكرة من اطارها النظري المجرد لتحولها إلى واقع عملي ملموس يتعامل معه الحركيون ميدانيًا على الأرض من خلال الموقف والحدث.
وعلى هذا فان الفكر الحركي يتكون عبر تجربة الحركة ومعاناة العاملين، ضمن الدائرة العامة للفكر الاسلامي واصوله وقواعده مما يجعله بعيدًا عن الترف وعن النزعة التجريدية. لأن ملامجة وخطوطه الرئيسية تجمعت في فترات زمنية عديدة كانت حافلة بالتعامل المباشر مع الناس والهيئات والاحداث والوقائع، وهي مصادر كبيرة وروافد صافية تثري الفكر الحركي اذا ما درست التجربة برؤية واضحة وروح موضوعية ونظرات ناقدة.