فهرس الكتاب
تعالى فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ#
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [1] ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم بقوله جل شأنه {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} . والحرج: الضيق بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه - صلى الله عليه وسلم -، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه {تَسْلِيمًا} المبين أنه لا يكتفي ها هنا بالتسليم .. بل لابد من التسليم المطلق.
وتأمل ما في الآية الأولى وهي قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلا} كيف ذكر النكرة وهي قوله {شَيْءٍ} في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} المفيد العموم، فيما يتصور التنازع فيه جنسًا وقدرًا، ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} ثم قال جل شأنه: {ذَلِكَ خَيْرٌ} فشيء يطلق الله عليه أنه خير، لا يتطرق إليه شر أبدا، هو خير محض عاجلًا وآجلًا ..
ثم قال {وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} أي: عاقبة في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند التنازع شر محض وأسوء عاقبة في الدنيا والآخرة.
عكس ما يقوله المنافقون {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [2] .
وقولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [3] ، ولهذا رد الله عليهم قائلًا: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [4] وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على
(1) سورة النساء آية 65.
(2) سورة النساء آية 62.
(3) سورة البقرة آية 11.
(4) سورة البقرة آية 12.