الصفحة 73 من 523

الغيب أو أحدًا من المخلوقين فقد أعظم على الله الفرية وأبعد النجعة وضل ضلالًا بعيدًا وكفر بالله سبحانه فالأمور المغيبة مما استأثر الله بعلمه قال#

تعالى {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [1] قال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم - صلى الله عليه وسلم - غير خمس (إن الله عنده علم الساعة) [2] الآية وقال ابن عباس هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى. ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فمن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرًا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم.

فالإيمان بالغيب من أركان الإيمان ومن صفات المؤمنين الصادقين وادعاء علم الغيب والإخبار بالمغيبات من صفات الكهنة الزائغين عن الهدى ومن صفات الدجالين والمشعوذين والعرافين الذين ضلوا عن الصراط المستقيم وأضلوا غيرهم من جهال المسلمين وقد قال الله سبحانه {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} الآية 59 من سورة الأنعام.

وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"مفاتيح الغيب خمس ثم قرأ قوله تعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث .."فالواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على ما يقع فيه الناس من الخطأ العظيم في هذا الباب وغيره. لأنهم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة قال تعالى {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [3] وكذا الاعتقاد أن بني هاشم ذنبهم مغفور ولو فعلوا ما فعلوا وهذا غاية الجهل والضلال.

فإن الله لا ينظر إلى الأحساب والأنساب وإنما ينظر إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه من ملازمة التقوى والابتعاد عن المعاصي والمخالفات فالأحساب والأنساب لا تنفع أحدًا قال الله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [4] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم#"

ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [5] وقال"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا أفسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" [6] وهذا أبو طالب وهو عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينفعه قربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونسبه العريق وقد حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يشهد أن لا إله إلا الله حتى يحاج له بها عند الله فلم يفعل لأن الله سبحانه كتب في الأزل أنه يموت على دين الآباء والأجداد وهو الشرك وعبادة الأصنام [7] ونهى الله نبيه عن الاستغفار له فقال {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [8] وأخبر أن النبي لا يملك هداية أحد إذا لم يهده الله فقال {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [9] وهذا أبو لهب وهو عم النبي - صلى الله عليه وسلم - مات على الكفر وأنزل الله في ذمه سورة تتلى إلى يوم القيامة وهي {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [10] فالمعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولًا وعملًا واعتقادًا أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي كما قال - صلى الله عليه وسلم -"من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" [11] وقال"يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا" [12] وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة ولو كان النسب ينفع أحدًا لنفع هؤلاء."

ومن الأمور المنكرة والاعتقاد الفاسد والضلال المبين ما يعتقده بعض المغفلين والجهال في بعض المخرفين والمشركين الضالين والمضلين أنهم يشفون المرضى ويدفعون عنهم الضر ويجلبون النفع نعوذ بالله من الغي والضلال. وهذا ينافي الإيمان بالله وأنه النافع الضار الرازق المحي المميت المدبر القادر تعالى الله وتقدس عما يقوله الضالون والمفترون قال تعالى وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا

(1) سورة لقمان آية 34.

(2) الأثر أخرجه أحمد في المسند 1/ 445 وأورده ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية وقال: هذا اسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه (ابن كثير 3/ 473) .

(3) سورة المائدة آية 63.

(4) سورة الحجرات آية 13.

(5) رواه مسلم.

(6) البخاري في الإيمان 1/ 19 ومسلم في البيوع 5/ 50 - 51.

(7) أنظر القصة في صحيح مسلم كتاب الإيمان 1/ 40 - 41.

(8) سورة التوبة آية 113.

(9) سورة القصص آية 56

(10) سورة المسد آية 1.

(11) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء 8/ 71.

(12) البخاري في التفسير 6/ 17 ومسلم في الإيمان 1/ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت