الصفحة 23 من 188

كذا وصف الصحابة رضي الله عنهم عندما أرادوا دفنه - صلى الله عليه وسلم -: (ندسّه في بيته) ! ولا أدري ما الذي أحوجه إلى التعبير بهذا اللفظ الذي كثيرا ما يستعمل أصله في التحقير والإهانة والذم؟ فقد جاء في كتب اللغة: الدَّسُّ إدخال الشيء من تحته في خفاء، ودسَّه يدُسُّه دَسًَّا إذا أدخله في الشيء بقوة وقهر، ودسا يدسوا نقيض زكا، والدَّسيس: إخفاء المكر والصُّنان الذي لا يقلعه الدواء، والدُّسُس: المراؤون بأعمالهم، والدَّسَّاسة: حية صماء تندس تحت التراب، والدَّسَّاس من الحيات: أخبثها ( [29] ) ، وقد استُعمل هذا الأصل اللغوي في القرآن الكريم في موضعين، كلاهما في معرض الذم، الأول: ما أخبر الله تعالى عن ضلال أهل الجاهلية عندما وصفهم بأنهم يئدون البنات وهن أحياء بلا شفقة، قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58-59] ، والثاني: قوله تبارك وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10] ، قوله: (دسَّاها) أي: أخفاها بالمعصية، وأخملها بترك الطاعة، وقيل: جعلها خسيسة بالعمل الخبيث، وقيل: أغواها وأغراها بالقبيح، وقيل: دسسها في أهل الخير وليس منهم ( [30] ) .

أما زعمه أن الصحابة رضي الله عنهم اجتهدوا في تحديد المكان المناسب لدفنه - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا غير صحيح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على المكان الذي يدفن فيه، وسيأتي توضيح هذه المسألة في فصل مستقل ( [31] ) .

وعندما أراد أن يذكر حديثا لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في طاعة ولاة الأمر في المعروف، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت