وهنا تتجلى حدة عاطفة الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي دفعته إلى عدم تصديق خبر الوفاة، بل ويهدد كل من يقول، وطغت العاطفة عليه رضي الله عنه إلى أن وصلت إلى الاعتقاد برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هدد بقطع الأيدي والأرجل لكل من يزعم موته صلى الله عليه وسلم، ويصل الأمر بعمر إلى الهياج العاطفي الشديد حتى امتنع عن السكوت تنفيذا لأمر أبي بكر وحين يسمع عمر رضي الله عنه أبا بكر وهو يقرأ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ...} .
حينئذ وقع على الأرض ولم تحمله رجلاه، على الرغم من تهيئة المسلمين لهذا الأمر حين أشيع عقب هزيمة أحد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فضلا عن إدراك عمر نفسه رضي الله عنه حين نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} وقال هو معقبا على ذلك (( ما بعد الكمال إلا النقصان ) ).
إنها عاطفة الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقوى صورها، وكل حرف فيها يفيض حبا وتعلقا به صلى الله عليه وسلم، ولعلي بعد هذا العرض قد وفقت في تقديم هذا الجانب العاطفي وعرضه عند عمر رضي الله عنه.
تعليق:
حدة العاطفة هنا، ليس المقصود منها الحب الطائش، الذي يهدم ولا يبني، ويفرق ولا يجمع، ولكنه الحب النابع من إيمان صادق، ويصل هذا الحب إلى ذروته حينما يرى خطرا يهدد من أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا تأملنا الفرق بين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية عمر رضي الله عنه لوجدنا أنهما يتفقان في رؤية الخطر ويختلفان في أسلوب المواجهة فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع في وجهه سلاحا لأنه يعلم ضروبا من الباطل وضروبا من الإنكار ولكن عمر رضي الله عنه ليس عنده هذا العلم فيتصرف كالجندي الذي يرفع السلاح في وجه الخطر.