يقول الكاتب المصري فهمي هويدي:"لن تستطيع أن تدرك حجم الجريمة في إقامة الجدار اليهودي إلاّ إذا رأيته بعينيك، حيث يتعذّر على الكلمات أن تصف بشاعته، على الأقل فقد كان ذلك انطباعي حين رأيت مجسمًا له قبل أيام قليلة، وهو ما جعلني اقتنع بأنّ الكلام حول العودة إلى التفاوض أو ما يسمى بخريطة الطريق هو من قبيل العبث الذي يستهلك الوقت، ويشغل العرب بما لا طائل من ورائه، أو قل إنّه مشهد الهزل في القصّة. بينما الجدّ هنا في الجدار الوحشي...تصبح كلمة جدار اختزالًا خادعًا ومعيبًا، حيث إنّها تهون من الأمر وتطمس حقيقته ذلك، إنّنا بصدد منطقة عسكرية عازلة تتجاوز بكثير حدود وإيقاع الكلمة، كما أنّ لها وظيفتها الأخطر والأبعد". (1)
الجدران العالية العازلة فكرة توراتية:
التوراة مليئة بالحديث عن أسوار أورشليم وأريحا، كما أنّ الانغلاق اليهودي معروف على امتداد التاريخ، فمن جدران أريحا وأورشليم ظهرت فكرة الغيتوهات التي لا تختلف كثيرًا، ومن ثمّ فإنّ فكرة الجدران ليست جديدة على اليهود وخاصة منذ بداية الفكرة الصهيونية على يد تيدور هرتزل. ولفلسفة الجدار جذورها في عمق النفسية الإسرائيلية، فاليهودي منذ القدم مغرم بتشييد الجدران والأسوار...فهناك مسار تاريخي طويل وشائك أفضى في النهاية إلى تقوقع اليهودي داخل العزلة. واليوم الناس يتابعون بناء الجدار الفاصل في الصفة الغربية ويتنّبهون لقضايا أخرى جانبيه، لكن لا يتنبهون للأمر الأهم وهي: أنّ الكيان الصهيوني المسمى"إسرائيل"عاد ليصبح حارة لليهود في الشرق الأوسط، أو بمعنى آخر (الغيتو) الأحدث والأوسع مساحة لكنه نفس الغيتو المعروف تاريخيًا الذي يحشر داخله كتلا بشريه، يعصف بها التوجس والخوف والحذر والشك.
(1) - يسألونك عن الجدار: فهمي هويدي، صحيفة الخليج الإماراتية 19/8/2003م.