ذهب في الذاهبين إلى الله [1] .
ومثل ذلك حكى ابن عجيبة عن الشبلي أنه قال له رجل: أين الشبلي؟
قال: مات , لا رحمه الله [2] .
فهذه هي الغيبة الصوفية , يقولون: أن الإنسان ليستغرق في ذكر الله تعالى ومحبته حتى أنه ينسى نفسه , والمعلوم شرعًا وعقلًا أن ذكر الله عز وجل لا يستجلب هذا النوع من الجنون والهذيان , بل يثمر الراحة والاطئنان والسكينة {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [3] .
فنسيان الكون والنفس وذهاب العقل والفهم أمر مذموم , وليس شيئًا محمودًا حتى يكون من ثمرات ذكر الله تعالى ومحبته , بل أنها أذواق شيطانية لا تقرها الشريعة الإسلامية.
هذا ويذكر القشيري صوفيًا غاب فكره وذهنه وعقله وفهمه , وهو أبو علي الدقاق , فيحكي عن أبي نصر المؤذن بنيسابور أنه قال:
"كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور , وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيرًا , فأثر في قلبي كلامه , فخرجت إلى الحج تلك السنة , وتركت الحانوت والحرفة , وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله خرج إلى الحج أيضًا في تلك السنة , وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأواظب على القراءة في مجلسه , فرأيته يومًا في البادية: تطهر ونسي قمقمة كانت بيده , فحملتها , فلما عاد إلى رحلة وضعتها عنده , فقال: جزاك الله خيرًا. حيث حملت هذا."
ثم نظر إليَ طويلًا كأنه لم يرني قطَ , وقال:
رأيتك مرة. فمن أنت؟
فقلت: المستغاث بالله , صحبتك مدة , وخرجت من مسكني ومالي بسببك ,
(1) الرسالة القشيرية ج 1 ص 234 , 235 , كشف المحجوب للهجويري ص 490 , إيقاظ الهمم لابن عجيبة ص 308 , مشارق أنوار القلوب للدباغ ص 103 , ترصيع الجواهر المكية ص 42.
(2) إيقاظ الهمم لابن عجيبة الحسني ص 308 ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة.
(3) سورة الرعد الآية 28.