وتقطعت في المفازة بك , والساعة تقول: رأيتك مرة" [1] ."
وذلك لأنه كان غائبًا عن نفسه:
وحكى عن أبي عقال أنه"دخل عليه بعض الفقراء فقال له: سلام عليكم."
فقال له أبو عقال: وعليكم السلام , فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال:
أنت فلان , كيف أنت؟ وكيف حالك؟ وغاب عن حالته.
قال هذا الرجل , فقلت له: سلام عليكم.
فقال: وعليكم السلام , وكأنه لم يرني قط.
ففعلت مثل هذا غير مرة , فعلمت أن الرجل غائب فتركته , وخرجت من عنده [2] .
وحكاية أخرى حكاها كل من القشيري وابن الملقن وعماد الدين الأموي , وتبيَن حقيقة هذا المصطلح , فينقلون عن الجنيد أنه:
"كان قاعدًا , وعنده أمرأته , فدخل عليه الشبلي , فأرادت أمرأته أن تستتر , فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك , فاقعدي."
فلم يزل يكلَمه الجنيد , حتى بكى الشبلي , فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: أستتري , فقد أفاق الشبلي من غيبته [3] .
هذا بالنسبة لغيبة الصوفي عن ذهنه وفكره ووجوده , وأما غيبته هو عن الخلق ووصوله إلى الله كما يدَعون , فيروي الأموي"أن الحسن رحمه الله أختفى عند حبيب العجمي من الحجاج , فسعى به , فدخل عليه الشرط , فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إن الحسن عندك فقال: هل ترون شيئًا؟"
ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه , لأنه كان عند الله فلم يروه" [4] ."
فهذه هي أقاويل المتصوفة في"الغيبة"إحدى مصطلحاتهم.
(1) الرسالة القشيرية ج 1 ص 234.
(2) أيضًا ص 221.
(3) أنظر الرسالة القشيرية ج 1 ص 233 , أيضًا طبقات الأولياء لابن الملقن 211 , أيضًا حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج 2 ص 273 بهامش قوت القلوب لأبي طالب المكي ط دار صادر بيروت.
(4) حياة القلوب لعماد الدين الأموي ج 2 ص 69 بهامش قوت القلوب.