عن داود بن صالح قال:
"قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي , هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {أصبروا وصابروا ورابطوا} ؟ قلت: لا , قال: يأبن أخي , لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يربط فيه الخيل , ولكنه إنتظار الصلاة بعد الصلاة , فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه. قال الله تعالى {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حق الجهاد , وهو الجهاد الأكبر , على ما روى في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من بعض غزواته: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) . وقيل: إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه: يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود , فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته أختلت أمور المسلمين وغلب الكفار , فلا بد من الغزو والجهاد وفكتب إليه: يا أخي , لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم على سجاداتهم: الله أكبر , أنهدم سور قسطنطينية" [1] .
هذا وأن هناك أنواعا أخرى من تطرفات المتصوفة في إظهار التواضع والذّل , والرضا بالدون والمسكنة وهوان النفس , والسقوط في أعين الناس , فمن الصوفية المصابين بهذا النوع من التطرف الذي سموه خشوعًا وتواضعًا ورياضة للنفس , أستاذ الجنيد أبو الحسن الكريني كما ينقل عنه أبو طالب المكي وابن عجيبة أنه قال:
"نزلت في محله فعرفت فيها بالصلاح فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها , ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت أمشي قليلا قليلًا ليفطن بي , فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضربًا , فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام , فسكنت نفسي" [2] .
ويخرج نفسه عن حدّ الكرامة الإنسانية ويجعلها بمنزلة الكلب في حكاية ذكروها
(1) عوارف المعارف للسهروردي ص 105 ط دار الكتاب العربي بيروت.
(2) قوت القلوب لأبي طالب المكي ج2 ص 74 , أيضا إيقاظ الهمم لأبن عجيبة ص 405.