فلما أحس المحدثون برواج تلك الآثار وخاصة بين الطوائف السياسية المتنازعة ابتدءوا في أخذ الحيطة ورسم السبل لدرء هذه المحاولة الجديدة في تحريف مصادر التلقي عند المسلمين.
وقد سبق أن تعرضنا في"نظرية الإسناد"لأثر محمد بن سيرين الذي يقول فيه: « لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى حديث أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» . (1)
وقلنا إن هذا الأثر حري أن يكون نصا في تأريخ نشأة علم الجرح والتعديل (2) ، لذلك كان من المناسب أن نوسع القول في حقيقة المراد بالفتنة التي وردت في عبارة ابن سيرين.
يرى"روبسون"أن المقصود بالفتنة فتنة عبد الله بن الزبير (في حدود 76هـ) ويستند روبسون إلى عبارة رويت عن مالك أطلق فيها كلمة"الفتنة"على حركة ابن الزبير، وهذا التفسير - في رأيه - يتفق مع عمر ابن سيرين الذي كانت ولادته سنة 32هـ، مما يجعله عند حدوث فتنة ابن الزبير في عمر يمكنه من الكلام بإدراك وإطلاع عما حدث في هذه الفترة. (3)
(1) - رواه مسلم في مقدمة الصحيح (1/15) والترمذي في العلل ص81 بشرح ابن رجب والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص12 والخطيب البغدادي في الكفاية ص122.
(2) - بخلاف المستشرقين الذين أرخوا بأثر ابن سيرين هذا بداية تداول الأسانيد واستعمالها أنظر بحوث في تاريخ السنة المشرفة أكرم العمري ص49.
(3) - بحوث في تاريخ السنة المشرفة أكرم العمري ص49.