الصفحة 1 من 13

مقدمة:

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، نبيِّنا محمدٍ النبيِّ الأميِّ العربيِّ الأمينِ الذي اصطفاهُ اللهُ تعالى خاتمًا للنبيينَ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ. وبعدُ:

فقدْ رغِبَ إليَّ بعضُ الأصدقاءِ أنْ أكتبَ في الجملِ التي اختلفَ النحويونَ فيها: مِنْ حيثُ محلُّها الإعرابي؛ ألَها محلٌّ مِنَ الإعرابِ أمْ لا؟؛ إذْ نقرأ في كتبِهم أنَّ هذه الجملةَ أو هذه الجملَ لها محلٌّ من الإعرابِ، أو أنْ ليسَ لها محلٌّ مِنْ ذلكَ، دونَما إشارةٍ إلى وجودِ خلافٍ فيها، وكأنَّ هذه الجملَ متَّفقٌ على إعرابِها هذا الإعرابَ، وإنْ جاءتْ إشاراتٌ مبعثرةٌ في بعضِ كتبِهم ـ وفي صفحاتِ الحواشي فيما بعدُ ـ عنْ وجودِ خلافٍ في مسألةٍ أو مسألتين فإنَّنا لا نجدُ ما يشفي غليلَ الباحثِ مِنْ حيثُ حصرُ تلكَ المسائلِ، والوقوفُ عندَها بالدراسةِ.

إنَّ المتتبعَ لكتبِ علماءِ النحوِ يدركُ دونَ عناءٍ أنَّ دراسةَ الجُمَلِ لمْ تنلْ في بدايةِ النشأةِ الأولى لعلمِ النحوِ حظًّا وافرًا مِنَ الدراسةِ والبحثِ، وبقيتْ دراسةُ الجملةِ تتردَّدُ بينَ النحاةِ في حيِّزٍ ضيِّقٍ يهتمُّ بإعرابِ أركانِ الجملةِ الاسميَّةِ والجملةِ الفعليَّةِ، معَ الإشارةِ ـ أحيانًا ـ إلى بعضِ الجملِ التي تحلُّ محلَّ الاسمِ المفردِ في الإعرابِ، كالصِّفةِ والخبرِ، حتَّى جاءَ المراديُّ (749 هـ) فألَّفَ رسالةً في جُمَلِ الإعرابِ، ثُمَّ جاءَ بعدَه العلاَّمةُ ابنُ هشامٍ الأنصاريُّ (761 هـ) ـ في"مغني اللبيبِ"ـ وأفردَ للجملةِ بابًا واسعًا نقلَ معظمَ ما قيلَ عنِ العلماء في هذا المجالِ.

وقد واجهتُ صعوبةً كبيرةً في لمِّ شتاتِ هذا الموضوعِ وتجميعِ أطرافِه ودراستِه، لكنَّها في الوقتِ ذاتِه دراسةٌ ممتعةٌ، زوَّدتني بفائدةٍ علميَّةٍ عظيمةٍ في هذا الموضوعِ. وأنا على رجاءٍ أنْ أكونَ قدْ كفيتُ الباحثَ عناءَ البحثِ في هذا الموضوعِ الذي لمْ يخصُّه أحدٌ ـ فيما أعلمُ ـ بكتابٍ، وقلَّما بسَطَتْه المصادرُ النحويَّةُ.

ولعلَّ السؤالَ الذي يطرحُ نفسَه ـ ههنا ـ هو: ما حجمُ الخلافِ في هذه الجملِ؟ لأنَّ الخلافَ في كثيرٍ من المسائلِ شبهُ عامٍّ بين طائفتين كبيرتين كأنَ يكونَ بين البصريينَ والكوفيينَ، أو بينَ طائفةٍ كبيرةٍ من العلماءِ المشهورينَ ممَّنْ لهم ثقلُهم في علمِ العربيةِ ... وغير ذلك. وبعضُ المسائلِ لا يعدو الخلافُ فيها أن يكونَ شاذًا قدِ انفردَ بالخروجِ عنْ قولِ العامَّةِ فيه عالمٌ أو اثنانِ.

وكثيرٌ من الدارسين ـ إنْ لمْ يُعْنَ أحدُهم ببحثِ مسألةٍ من هذه المسائلِ ـ لا يعلمُ حجمَ الخلافِ في ذلك، فأحببتُ أن أجمعَ هذه المسائلَ، وأستقصيَ أقوالَ العلماءِ فيها.

وجعلتُ بينَ يدي البحثِ الرئيسِ مقدمةً وتمهيدًا، وفي عَقِبِه خاتمةً ذكرتُ فيها أهمَّ النتائجِ وبعضَ التوصياتِ.

أمَّا التمهيدُ فقدْ جعلتُه في خمسةِ مباحثَ؛ عرضتُ في الأولِ منها لمفهومِ النحويينَ للجملةِ والكلامِ، والفرقِ بينَهما. وذكرتُ في الثاني تقسيمَ الجملةِ. ثُمَّ وقفتُ في الثالثِ عندَ الجملتيْنِ الكُبرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت