الصفحة 2 من 13

والصُّغرى مع التفريقِ بينَهما.

ولَمْ أُغفلْ الحديثَ عنْ الجملِ المتَّفقِ على محلِّها الإعرابي، فجعلتُ المبحثَ الرابعَ في الجملِ التي لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. وخصصتُ الخامسَ للجملِ التي لها محلٌّ مِنَ ذلكَ.

ولعلَّ مِنْ نافلةِ القولِ أنَّ علماءَ النحوِ قدْ بذلوا جهودًا كبيرةً في جمعِ النحوِ ودراستِه، وأخلصوا له، فتركوا تراثًا علميًّا وكنوزًا ثرَّةً تزخرُ بالفكرِ الخلاَّقِ، لا نزالُ حتَّى يومِنا هذا نقتاتُ منهما، وذلكَ لإيمانِهم العميقِ بأنَّ ما يقومونَ بهِ إنَّما هو خدمةٌ للغةِ العربيةِ، لغةِ القرآنِ الكريمِ.

ويشرفني أنْ أسيرَ على تلكَ الخطا فأشاركَ بجهدِ المقلِّ في خدمةِ لغتي انطلاقًا مِنْ ذلكَ المبدأ العظيمِ.

وغاية رجائي أنْ أكونَ قدْ أصبتُ فيما إليه قصدتُ، وإلاَّ فحسبي أنني حاولتُ. وعلى اللهِ ـ سبحانَه ـ قصدُ السبيلِ، وهوَ حسبي ونعمَ الوكيلُ. واللهُ الموفقُ والهادي إلى سواءِ السبيلِ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

التمهيد

الجملة وتقسيماتها

أولًا: الجملةُ والكلامُ:

يُشيرُ عددٌ مِنَ الدارسينَ إلى أنَّه لَمْ يُستخدمْ مصطلحَ (الجملة) أو (الجمل) في القضايا النحويَّةِ قبلَ محمدٍ بنِ يزيدَ المبرِّدِ (285 هـ) حينَ استعملَ هذينِ المصطلحَيْنِ للإشارةِ إلى: الفعلِ وفاعلِه، أوِ: المبتدأ وخبرِه، ومِنْ ذلكَ قولُه: «الأفعالُ معَ فاعليها جُمَلٌ» ، وقولُه: «ومثلُ هذا مِنَ الجملِ قولُكَ: مررتُ برجلٍ أبوه منطلقٌ» ، ولوْ وضعتَ في موضعِ (رجل) معرفةً لكانتِ الجملةُ في موضعِ حالٍ، فعلَى هذا تجري الجملُ» فهوَ يستعملُ اللفظتينِ في مجالِ تقريرِ الحقيقةِ النحويَّةِ القائلةِ إنَّ الجملَ بعدَ النكراتِ صفاتٌ، وبعدَ المعارفِ أحوالٌ (1) .

أمَّا سيبويهِ فلَمْ يستخدمْ هذا المصطلحَ؛ لأنَّه كانَ يُعنَى بالتمثيلِ وبوصفِ التركيبِ في أغلبِ الأحيانِ دونَ تسميتِه (2) .

ـ وقدْ سوَّى بعضُ النحاةِ في المرحلةِ التي تلتْ سيبويهِ بينَ مصطلحي (الكلام) و (الجملة) ونظروا إليهما على أنَّهما مترادفانِ، يُقصدُ بكلِّ واحدٍ منهما ما يُقصدُ بالآخرِ، وهوَ اللفظُ المفيدُ فائدةً يحسُنُ السكوتُ عليها، دونَ إشارةٍ إلى تعميمٍ أو تخصيصٍ (3) .

ويأتي على رأسِ القائلينَ بالترادفِ بينَ الجملةِ والكلامِ أبو الفتحِ بنُ جنِّي (392هـ) حيثُ عرَّفَ (الكلامَ) بأنَّه"كلُّ لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه مفيدٍ لمعناه، وهوَ الذي يُسمِّيه النحويونَ الجملَ"وبأنَّه في لغةِ العربِ عبارةٌ عنِ الألفاظِ القائمةِ برؤوسِها المستغنيةِ عنْ غيرِها، وهيَ التي يُسمِّيها أهلُ هذه الصناعةِ الجملَ على اختلافِ تراكيبِها" (1) ."

كما سَوَّى عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ (471 هـ) بينَهما إذْ يُقرِّرُ في جملِه:"أنَّ الواحدَ مِنَ الاسمِ والفعلِ والحرفِ يُسمَّى كلمةً، فإذا ائتلفَ منها اثنانِ فأفادا نحو: خرجَ زيدٌ سُمِّيَ كلامًا وسُمِّيَ جملةً" (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت