وكذلكَ الزمخشريُّ (538 هـ) الذي يقولُ: «والكلامُ هوَ المركبُ مِنْ كلمتينِ ... إلى قولِه وتُسمَّى الجملةَ» (3) .
وقدْ قدَّمَ أبو البقاءِ العكبريُّ (616 هـ) أدلةً متعدِّدةً ليُبرهنَ على أنَّ الكلامَ عبارةٌ عنِ الجملةِ المفيدةِ فائدةً تامَّةً. وأنَّه لفظٌ يعبِّرُ بإطلاقِه على الجملةِ المفيدةِ، وأنَّ هذا قولُ جمهورِ النحاةِ (4) .
ونقلَ ابنُ منظورٍ عنِ ابنِ سيده مَنْ يعدُّ الجملةَ مرادفةً للكلامِ (5) . ومِمَّنْ قالَ بهذا في العصرِ الحديثِ الأستاذ عباس حسن (6) .
ثُمَّ أتى بعدَ هذه المرحلةِ مَنْ فرَّقَ بينَ هذينِ المصطلحيْنِ (الجملة) و (الكلام) بجعلِ الجملةِ أعمَّ مِنَ الكلامِ، وذلكَ لأنَّ الإسنادَ الذي يوجدُ في الجملةِ قدْ يكونُ أصليًّا في تركيبٍ مقصودٍ لذاتِه، أو أصليًّا في تركيبٍ غيرِ مقصودٍ لذاتِه، وأمَّا الإسنادُ في الكلامِ فلا بُدَّ أنْ يكونَ أصليًّا في تركيبٍ مقصودٍ لذاتِه فحسب.
يقولُ الرضيُّ:"والفرقُ بينَ الجملةِ والكلامِ أنَّ الجملةَ ما تضمَّنَ الإسنادَ الأصليَّ سواءً كانتْ مقصودةً لذاتِها أوْ لا، ... والكلامُ ما تضمَّنَ الإسنادَ الأصليَّ، وكانَ مقصودًا لذاتِه، فكلُّ كلامٍ جملةٌ، ولا ينعكسُ" (1) .
أي: لا تكونُ كلُّ جملةٍ كلامًا، وذلكَ لأنَّ الجملةَ على هذا أعمُّ مِنَ الكلامِ، فكلاهما يتضمَّنُ الإسنادَ الأصليَّ، ثُمَّ ينضافُ قيدُ الإسنادِ الأصليِّ في الكلامِ يُخصِّصُه، ولا تشركُه الجملةُ في هذا الوهذه الفكرةُ القائلةُ بتنوُّعِ علاقاتِ الإسنادِ وتعدُّدِها هِيَ التي بَنَى عليها ابنُ مالكٍ ـ وهوَ معاصرٌ للرضيِّ ـ موقفَه في تحريرِ مفهومِ كلٍّ مِنْ (الكلام) و (الجملة) مِنْ ناحيةٍ، وتحديدِ ما بينَهما مِنْ علاقةٍ مِنْ ناحيةٍ ثانيةٍ، ففي كُلٍّ مِنَ الجملةِ والكلامِ إسنادٌ، بيدَ أنَّ الإسنادَ في كُلٍّ منهما يختلفُ عنِ الإسنادِ في الآخرِ، فهوَ يُقرِّرُ أنَّ الكلامَ ما تضمَّنَ مِنَ الكلِمِ إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاتِه، وأمَّا الجملةُ فهيَ ـ وإنْ تضمَّنتْ إسنادًا فإنَّ إسنادَها قدْ يكونُ مقصودًا لغيرِه (3) .
وقدْ توافقَ كلامُ ابنِ هشامٍ معَ كلامِ الرضيِّ في ذلكَ مِنْ حيثُ كونُ الكلامِ أخصَّ مِنَ الجملةِ؛ إذْ شرطُه الإفادةُ بخلافِها. فقالَ:"الكلامُ: هوَ القولُ المفيدُ بالقصدِ، والمرادُ بالمفيدِ ما دلَّ على معنًى يحسُنُ السكوتُ عليه. والجملةُ: عبارةٌ عنِ الفعلِ وفاعلِه، كـ (قامَ زيدٌ) والمبتدأ وخبرِه، كـ (زيدٌ قائمٌ) ، وما كانَ بمنزلةِ أحدِهما نحو: ضُرِبَ اللصُّ، و أقائمٌ الزيدانِ؟ و كانَ زيدٌ قائمًا، و ظننتُه قائمًا."
وبهذا يظهرُ لكَ أنَّهما ليسا مترادفينِ كما يتوهَّمُه كثيرٌ مِنَ الناسِ"."
ودلَّلَ على ذلكَ بقولِه:"ولهذا تسمعهم يقولونَ: جملةُ الشرطِ، وجملةُ الجوابِ، وجملةُ الصِّلةِ، وكلُّ ذلكَ ليسَ مفيدًا فليسَ بكلامٍ" (1) .
ومعنى ذلكَ أنَّ التركيبَ المتضمِّنَ إسنادًا إنْ كانَ مستقلاًّ بنفسِه وأفادَ فائدةً يحسُنُ السكوتُ عليها سُمِّيَ كلامًا وسُمِّيَ جملةً، ولا ينعكسُ عكسًا لُغَوِيًّا؛ أي: ليسَ كلُّ جملةٍ كلامًا؛ لأنَّه تعتبرُ فيهِ الإفادةُ بخلافِها؛ ألا تَرَى أنَّ جملةَ الشرطِ نحو: إنْ قامَ زيدٌ مِنْ قولِكَ: (إنْ قامَ زيدٌ قامَ عمروٌ) تُسمَّى جملةً لاشتِمالِها على المسندِ والمسندِ إليهِ. ولا تُسمَّى كلامًا؛ لأنَّها لا تُفيدُ معنًى يحسُنُ السكوتُ عليه؛ لأنَّ (إنْ) الشرطيَّةَ أخرجتْها عنْ صلاحيَّتِها لذلكَ؛ لأنَّ السامعَ ينتظرُ الجوابَ. وكذلكَ القولُ في جملةِ الجوابِ، وهيَ جملةُ (قامَ عمروٌ) مِنَ المثالِ المذكورِ (2) .