فهرس الكتاب
والحقيقة أن ظاهرة تفشي سوء التسيير في البلدان النامية ومنها العربية، هي أحد مؤشرات التخلف في هذه البلدان. فسوء التسيير ينتج عن عوامل أخرى متعددة، منها التفاوت الكبير في توزيع الدخول، وتأخر البنى الاجتماعية، وانتشار البطالة، وضعف مستوى التعليم وغير ذلك. والحقيقة أن الطبقة الغنية وأصحاب الامتيازات في البلدان النامية تتمتع بمركز كبير يتيح لها فرصة الاستحواذ على الجزء الأكبر من الدخل القومي. أضف إلى ذلك، أن بعض البلدان النامية تنعدم فيها الديمقراطية، والبعض الأخر مازال في بداية الطريق، وهي تتميز بضعف نسبي في مؤسساتها الدستورية. كل ذلك ينتج عنه كثرة التغيرات في أنظمتها السياسية، مما يقضي على الاستقرار السياسي في البلد. الشيء الذي ينعكس بدوره على الاستقرار الاقتصادي من خلال عدم وجود مناخ ملائم للاستثمار في هذه البلدان. وقد انعكس كل ذلك في هدر وتشتيت موارد البلدان النامية في اتجاهات متناقضة وسريعة التبديل. فمثلا تشير العديد من الدراسات إلى أن الإنفاق العسكري أسهم إسهاما فعالا في تفاقم مديونية البلدان النامية. وقد وضحنا ذلك سابقا. هذا ويتجلى سوء التسيير في البلدان النامية أيضا، في مظاهر الاستهلاك الترفي وتقليد نمط المعيشة الغربية. بل فإن مظاهر الترف والمفاخرة فاقت مثيلتها في البلدان الرأسمالية الصناعية، وذلك نتيجة الثراء الفاحش الذي تتمتع به الطبقات الغنية وأصحاب الامتيازات. فقد ثبت من تجارب التنمية في البلدان النامية أن العديد من المشروعات الضخمة قامت من غير دراسة الجدوى الاقتصادية لإنشائها، وأن الكثير من هذه المنشآت أوقفت عن العمل بعد فترة قصيرة، وتحملت البلدان النامية خسائر تقدر بملايير الدولارات من جراء ذلك. وقد استفاد المتسببون في سوء التسيير من عمولات معتبرة مقابل الموافقة على إقامة مثل هذه المشروعات.