علمنا أن الغالب في النسخ الشرعي أن يكون إلى بدل من الحكم المنسوخ ، وهذا البدل يمكن أن يكون مساويًا للمنسوخ أو أخف منه أو أثقل ، فالكلام على هذا القسم يكون من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: النسخ إلى المساوي
وهو أن يشرع الشارع حكمًا لاحقًا يبطل به الحكم السابق ، ويكون الناسخ مماثلًا للمنسوخ من حيث الكلفة والمشقة ومثاله تحويل القبلة: كان الواجب على المسلمين أن يتحولوا في صلاتهم إلى بيت المقدس فنسخ ذلك بوجوب التوجه إلى بيت الله الحرام ، لقوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } /البقرة /144/.
روى البخاري (1) عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال صلينا مع الرسول (( نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا ، ثم صرفه نحو القبلة { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } /البقرة 150/.
يتضح لنا من هذا المثال أن التوجه إلى الكعبة نسخ حكم التوجه إلى بيت المقدس وهذا الحكم الشرعي لا يختلف عن الحكم الشرعي السابق من حيث الكلفة والمشقة ، فهو إذًا مساو له ومتماثل معه فلا نلاحظ اختلافًا بين علماء الأصوليين في هذا الوجه من النسخ .
فكان من باب اليقين لا الظن .
الوجه الثاني: النسخ إلى الأخف
وهو أن يكون الحكم الناسخ أخف ومن حيث الكلفة والمشقة من الحكم المنسوخ ، فهذا الوجه أيضًا لا نجد خلافًا فيه بين الفقهاء على جوازه ، ومثاله:
(1) البخاري /390 كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان ، ومسلم /525 في المساجد ومواضع الصلاة باب تحويل الصلاة من القدس إلى الكعبة .