فهرس الكتاب

الصفحة 3266 من 4262

2861 - الحديث الأوَّل: في عُمرةِ الحُدَيبيَةِ والصُّلحِ: عن عُروةَ بن الزُّبير عن المِسْوَر ومروانَ يُصدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما حديثَ صاحبِه، قالا: «خرج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زَمن الحُدَيبيَةِ حتَّى إذا كانوا ببعض الطَّريقِ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ خالدَ بن الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقُريشٍ طَلِيعةً [1] ، فَخُذوا ذاتَ اليمينِ. فوالله ما شعَر بهم خالدٌ حتَّى إذا هم بقَتَرَة [2] الجيشِ، فانطلق يَركُضُ [3] نذيرًا لقريشٍ، وسار النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إذا كان [4] بالثَّنيَّة [5] الَّتي يُهبَطُ عليهم منها بَرَكتْ به راحلتُه [6] ، فقال النَّاس: حَلْ حَلْ [7] ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلأَت القَصوَاءُ، خَلأَت القَصوَاءُ [8] ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما خلأتِ القَصواءُ، وما ذاك لها بِخُلُقٍ، ولكن حبَسها حابسُ الفِيلِ، قال: والذي نفسي بيدِه! لا يسألُوني خُطَّةً يُعظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلَّا أعطيتُهم إيَّاها. ثم زَجَرَها فوثَبت.

قال: فعَدَل عنهم حتَّى نزَل بأقصى الحُدَيبيَةِ على ثَمَدٍ [9] قليلِ الماءِ، يَتَبرَّضُه [10] النَّاسُ تبرُّضًا، فلم يلبثِ النَّاسُ حتَّى نَزحُوه [11] ، وشُكِيَ إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَطشُ، فانتزع سهمًا من كِنانتِه، ثم أمرَهم أن يجعلُوه فيه، فوالله ما زال يَجِيشُ [12] لهم بالرِّيِّ / حتَّى صدَروا [13] عنه.

فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ الخُزاعيُّ في نفرٍ من قومِه من خُزَاعةَ، وكانوا عَيبةَ نُصحِ [14] رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أهل تِهامَةَ، فقال: إنِّي تركت كعبَ بن لُؤيٍّ وعامرَ بن لُؤيٍّ نزَلوا أعدادَ مِياه [15] الحُدَيبيَةِ معهم العُوذُ المطافيلُ [16] ، وهم مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عن البيت.

فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نَجِئْ لقتال أحدٍ، ولكن جئنا معتمرين، وإنَّ قريشًا قد نَهِكَتْهم الحربُ [17] وأضرَّت بهم، فإن شاءوا مادَدْتُهم مدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين النَّاسِ، فإن أظْهر فإن شاءوا أن يدخُلُوا فيما دخل فيه النَّاسُ فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا [18] ، وإن هُم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتِلنَّهم على أمري هذا حتَّى تنفردَ سالِفتي [19] ، وليُنفِذَنَّ الله أمره.

فقال بُدَيلُ: سأبلِّغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قُريشًا فقال: إنَّا قد جِئناكُم من هذا [20] الرَّجُل، وقد سمِعْناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضَه عليكم فعلْنا، فقال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا أن تُخبِرَنَا عنه بشيءٍ، وقال ذوو [21] الرَّأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. /

فقام عُروةُ بن مسعودٍ فقال: أيْ قومِ! ألسْتم بالوالِد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لَسْتُ بالولَد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتَّهِمُوني؟ قالوا: لا، قال: ألسْتُم تعلمون أنِّي استنفَرتُ [22] أهلَ عُكَاظٍ، فلمَّا بلَّحُوا [23] عليَّ جِئتُكم بأهلي ووَلَدي ومن أطاعَني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عرَض عليكم خُطَّةَ [24] رُشدٍ، اقبلُوها

ج 3 ص 206

ودَعُوني آتِهِ، قالوا: ائْتِهِ. فأتاه فجعل يُكلِّم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحوًا من قولِه لبُدَيلٍ، فقال عُروةُ عند ذلك: أيْ محمَّدُ، أرأيتَ إن استأْصَلْتَ [25] أمرَ قومِكَ هل سمعتَ بأحدٍ من العربِ اجتاح [26] أهلَه [27] قبلَكَ؟ وإن تكنِ الأُخرى فإنِّي والله لا أرى وُجوهًا، وإنِّي لأَرى أَوْباشًا [28] من النَّاس خَلِيقًا [29] أن يفِرُّوا ويدَعُوك، فقال له أبو بكرٍ: امصُصْ بِبَظْر اللَّاتِ [30] ، أنحن نَفِرُّ عنه وندَعُه؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، فقال: أما والذي نفسي بيَده، لولا يدٌ كانت لك عِندي ولم أجْزِكَ بها لأَجبتُك.

قال: وجعل يُكلِّم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فكُلَّما كلَّمه أخذ بلِحيته، والمغيرةُ بن شُعبةَ قائمٌ على رأس النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه السَّيفُ، وعليه المِغْفَرُ، فكلَّما أهوى عُروةُ بيده إلى لحية النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضرَب يدَه بنعل السَّيفِ [31] وقال: أَخِّر / يدك عن لحية رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرفع عُروةُ رأسه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرةُ بن شُعبةَ، فقال: أيْ غُدَرُ، ألستُ أسعى في غَدْرتِك؟ وكان المغيرةُ صَحِبَ قومًا في الجاهليَّة فقتلَهم وأخذ أموالَهم، ثم جاء فأسلَم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا الإسلامُ فأقبلُ، وأمَّا المالُ فلستُ منه في شيءٍ.

ثمَّ إنَّ عُروةَ جعَل يَرمُقُ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعينه، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نُخامةً إلَّا وقعت في كَفِّ رجلٍ منهم فدَلَك بها وَجهَه وجِلْدَه، وإذا أمرَهم ابتَدروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقْتَتِلُون على وَضُوئه، وإذا تكلَّم خَفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النَّظر تعظيمًا له.

فرجع عُروةُ إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ؛ والله لقَد وَفَدْتُ على الملُوك، ووَفَدْتُ على قَيصَرَ وكِسرى والنَّجاشِيِّ، والله إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يعظِّمُه أصحابُه ما يُعظِّم أصحابُ محمَّدٍ محمَّدًا، والله إن تَنَخَّمَ نُخامةً إلَّا وقعت في كَفِّ رجلٍ منهم فدَلَك بها وجهَه وجِلْده، وإذا أمرَهم ابتدَروا أمرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتَتِلُون على وَضُوئه، وإذا تكلَّم خَفَضوا أصواتَهم عنده /، وما يُحِدُّون إليه النَّظرَ تعظيمًا له، وإنَّه قد عرَض عليكم خُطَّة رُشدٍ فاقبلُوها.

فقال رجلٌ من بني كِنانةَ: دعُوني آتِه، فقالوا: آته [32] ، فلمَّا أشرف على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه، قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يُعظِّمون البُدْنَ، فابعثُوها [33] له. فبعثوها له، واستقبلَه النَّاسُ يُلَبُّونَ، فلمَّا رأى ذلك قال: سبحانَ الله! ما ينبغي لهؤلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيت، فلمَّا رجَع إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قدْ قُلِّدَت وأُشعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيتِ.

فقام رجلٌ منهم يقال له: مِكْرَزُ بن حَفصٍ، فقال: دعُوني آتِه، فقالوا: ائته، فلمَّا أشرَف عليهم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هذا مِكرَزُ بن حَفصٍ، وهو رَجلٌ فاجرٌ [34] . فجعَل يكلِّم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبينما هو يُكلِّمه جاء سُهيلُ بن عمرٍو».

ج 3 ص 207

قال مَعمرٌ: فأخبرني أيُّوبُ عن عِكرمةَ أنَّه لَمَّا جاء سهيلٌ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «قد سَهُلَ لكم منْ أمرِكُم» .

قال معمرٌ: قال الزهري في حديثه: «فجاء سهيلُ بن عَمرٍو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينَكم كتابًا، فدعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت