فهرس الكتاب

الصفحة 3267 من 4262

وسلَّم الكاتبَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتب: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ. فقال سُهيلٌ: أمَّا الرَّحمنُ، فوالله ما أدْري ما هو /، ولكن اكتُب: باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تكتبُ، فقال المسلمون: والله لا نكتبُها إلَّا بسم الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتب: باسمك اللهمَّ. ثم قال: هذا ما قاضى [35] عليه محمَّدٌ رسولُ الله. فقال سُهيل: والله لو كنَّا نعلم أنَّك رسولُ الله ما صَددْناك عن البيت ولا قاتلْناكَ، ولكن اكتُبْ: محمَّدُ بن عبدِ الله، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والله إنِّي لَرسولُ الله وإن كذَّبتمُوني، اكتُبْ: محمَّدُ بن عبدِ الله».

قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألُوني خُطَّةً [36] يُعظِّمون فيها حُرُماتِ الله [37] إلَّا أعطيتُهم إيَّاها» .

قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيتِ فنطُوفَ به. قال سُهيلٌ: والله لا تتحدَّثُ العَربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً [38] ، ولكن ذلك من العامِ المقبلِ، فكتَب.

فقال سهيلٌ: وعلى ألا يأتِيك مِنَّا رجُلٌ _وإن كان على دِينك_ إلَّا رددْتَه إلينا، قال المسلمونَ: سُبحانَ الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا!

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جَنْدلِ بن سُهيلِ بن عَمرٍو يَرْسُفُ [39] في قيوده، وقد خرَج من أسفَلِ مكَّةَ حتَّى رمى بنفسه بين أظهُر المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا محمَّدُ أوَّلُ ما أقاضِيكَ عليه أن تَرُدَّه إليَّ، قال: فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعدُ. قال: فوالله إذًا لا أصالحُك على شيءٍ أبدًا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فأَجِزْه لي. قال: ما / أنا بمُجِيزِه لك، قال: بلى فافعَل. قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مِكرَزٌ: بل [40] قد أجَزْناه لك، قال أبو جندلٍ: أيْ معشرَ المسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترونَ ما قد لَقِيتُ؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله.

قال: فقال عمرُ بن الخطَّابِ: فأتيت نبيَّ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلت: ألستَ نبيَّ الله حقًَّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقِّ وعدُوُّنا على الباطِل؟ قال: بلى. قلت: فَلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننا [41] إذًا؟ قال: إنِّي رسولُ الله، ولستُ أعصِيه، وهو ناصِري. قلت: أوَ ليس كُنت تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فَنَطُوفُ به؟ قال: بلى، فأخبرتُك أنَّك تأتيه العامَ؟ قلت: لا، قال: فإنَّك آتيه ومُطوِّفٌ [42] به.

قال: فأتيتُ أبا بكرٍ فقلت: يا أبا بكرٍ، أليس هذا نبيَّ الله حقًَّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقِّ وعدُوُّنا على الباطِل؟ قال: بلى، قلت: فَلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في دِيننا إذًا؟ قال: أيُّها الرَّجلُ، إنَّه رسولُ الله، وليس يعصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستمْسكْ بغَرْزِه [43] ، فوالله إنَّه على الحقِّ! قلت: أليس كان يُحدِّثنا أنَّه سيأتي البيتَ ويَطُوفُ بِه؟ قال: بلى، أفأخبَرك أنَّه يأتيه [44] العام؟ قلت: لا، قال: فإنَّك آتيه وتَطُوفُ بِه، قال عمرُ: فعَمِلتُ لِذلك أعمالًا.

ج 3 ص 208

قال: فلمَّا فرغ من قَضيَّة الكتابِ، قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: قومُوا فانحَرُوا ثم احْلِقُوا. قال: / فوالله ما قام منهم رَجلٌ، حتَّى قال ذلك ثلاث مرَّاتٍ، فلمَّا لم يَقُم منهم أحدٌ دخَل على أمِّ سَلَمةَ فذكر لها ما لَقي من النَّاس، فقالت أُمُّ سَلَمةَ: يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرُجْ ولا تُكلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالِقكَ فيحْلِقَكَ فخرَج فلم يُكلِّم أحدًا منهم حتَّى فعَل ذلك، نحر بُدْنَه ودعا حالِقه فحَلَقَه، فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحَروا، وجعل بعضُهم يَحلِق بعضًا، حتَّى كاد بعضُهم يقتُل بعضًا غَمًَّا.

ثمَّ جاءه نسوة مُؤمناتٌ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} حتَّى بلغ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة:10] [45] فطلَّق عمرُ يومئذٍ امرأتينِ كانتا له في الشِّركِ، فتزوَّج إحدَاهما مُعَاويةُ بن أبي سُفيانَ، والأخرى صَفوانُ بن أُميَّةَ.

ثمَّ رجع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينة، فجاءه أبو بَصيرٍ _رجلٌ من قُريشٍ_ وهو مسلم، فأرسلوا في طَلَبه رجُلينِ، فقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرَّجُلين، فخرجا به حتَّى بَلَغَا ذا الحُلَيفةِ، فنزلوا يأكُلُون من تَمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرَّجُلينِ: والله إنِّي لأرى سيفكَ هذا يا فلانٌ جيِّدًا، فاستلَّه الآخرُ فقال: أجلْ، والله إنَّه لجيِّدٌ، لقَد جَرَّبتُ به ثم جَرَّبتُ، فقال أبو بَصيرٍ: أَرِنِي أنظر إليه، فأمكَنه منه، فضرَبه به حتَّى برَد، وفرَّ الآخرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدخل المسجدَ يعدُو، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين رآه: / لقَد رأى هذا ذُعرًا [46] . فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: قُتِلَ _والله_ صاحبي، وإنِّي لمقتولٌ، فجاء أبو بَصيرٍ، فقال: يا نبيَّ الله؛ قد أوفى الله ذِمَّتكَ، قد ردَدتَني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ويلُ أمِّهِ؛ مِسْعَرَ حَرْبٍ [47] ، لو كان له أحدٌ! فلمَّا سَمِع ذلك عَرَف أنَّه سَيرُدُّه إليهم، فخرَج حتَّى أتى سِيفَ البحرِ [48] .

قال: ويُفلتُ منهم أبو جَندلِ بنُ سُهيلٍ، فلَحِق بأبي بَصيرٍ، فجَعَل لا يَخرُجُ مِنْ قُرَيشٍ رجُلٌ قد أسلَمَ إلَّا لَحِقَ بأبِي بَصيرٍ حتَّى اجتمعَت منهم [49] عِصابةٌ [50] ، فوالله ما يَسمعون بِعِيرٍ [51] خرجت لِقُريشٍ إلى الشَّامِ إلا اعتَرضوا لها، فَقَتَولُهم وأخذوا أموالَهم، فأرسلت قُريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُنَاشِده الله والرَّحمَ لَمَّا أرسَل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمِنٌ، فأرسل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم.

فأنزل الله عزَّ وجلَّ {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} حتَّى بلغ: {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح:24 - 26] وكانت حميَّتُهم أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نبيُّ الله، ولَم يُقِرُّوا بـ (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) ، وحالوا بينهم وبين البيتِ.

وقال عُقيلٌ: عن الزهري: قال عُروةُ: فأخبرتني عائشةُ «أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يمتحِنُهُنَّ» . وبلغنا: أنَّه لَمَّا أنزَل الله أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفَقوا على مَن هاجر من أزوَّاجهنَّ، وحكَم على المسلمينَ ألا يُمْسِكوا بِعِصَمِ الكَوافرِ، أنَّ عمرَ طلَّق امرأتين: قَرِيبةَ بنت أبي أُميَّةَ، وابنةَ جَرْوَلٍ الخُزاعيِّ، / فتزوَّج قَرِيبةَ مُعاويةُ، وتزوَّج الأُخرى أبو جَهمٍ.

ج 3 ص 209

فلمَّا أبى الكفَّارُ أن يُقرُّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل الله تعالى: وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت