فهرس الكتاب
356 -الأوَّل: في إسلام أبي ذرٍّ بطُولِه عن عبد الله بنِ عبَّاسٍ _في رواية سَلْمِ بنِ قتيبةَ_ قال: ألَا أخبِرُكم بإسلامِ أبي ذرٍّ؟! قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرٍّ: «كنتُ رجلًا من غِفارٍ، فبلَغَنا أنَّ رجلًا خرج بمكةَ يزعُم أنَّه نبيٌّ،
ج 1 ص 147
فقلتُ لأخي: انطلِق إلى هذا الرَّجلِ فكلِّمْه وائتِني بخَبرِه .. » وذكَر الحديثَ. [خ¦3522]
وفي حديث عبدِ الرَّحمن بنِ مهديٍّ بمعناهُ، وأوَّلُه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: «لمَّا بلغَ أبا ذرٍّ مبعَثُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلمَ بمكةَ قال لأخيه: اركَب إلى هذا الوادي، فاعلمْ لي هذا الرجلَ الَّذي يزعُم أنَّه نبيٌّ يأتيهِ الخبَرُ من السماءِ، واسمَع مِن قوله ثمَّ ائتِني. فانطلَق حتَّى قدِمَ مكةَ وسمِع مِن قولِه، ثمَّ رجَع إلى أبي ذرٍّ فقال: رأيتُه يأمُرُ بمكارمِ الأخلاقِ وكلامًا ما هو بالشِّعرِ، فقال: ما شفَيتَني فيما أرَدتُ، فتزوَّدَ وحمَل شَنَّةً [1] له فيها ماءٌ حتَّى قدِمَ مكةَ، فأتى المسجدَ، فالتمَسَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلمَ ولا يعرِفُه، وكرِهَ أن يَسألَ عنه، حتَّى أدركَه اللَّيلُ، فاضْطجَعَ، فرآه عليٌّ فعرَف أنَّه غريبٌ، فلمَّا رآه تبِعَه فلم يَسأل واحدٌ منهما صاحِبَه عن شيءٍ حتَّى أصبَحَ، ثمَّ احتمل قِربتَهُ وزادَهُ إلى المسجد، فظلَّ ذلك اليومَ ولا يَرى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلمَ حتَّى أمسى، فعادَ إلى مضجَعِه، فمرَّ به عليٌّ فقال: ما أَنَى [2] للرَّجلِ أنْ يعلَمَ منزلَه؟! فأقامَه فذهب معه ولا يسألُ واحدٌ منهما صاحبَه عن شيءٍ، حتَّى إذا كان يومُ الثَّالثة فعل مثلَ ذلك، فأقامه عليٌّ معه، ثمَّ قال له: ألا تحدِّثُني ما الَّذي أَقْدَمَكَ هذا البلدَ؟ قال: إن أعطيتَني عهدًا وميثاقًا لتُرْشِدَّني فعلتُ ففعَل، فأخبَره، فقال: فإنَّه حقٌّ، وهو رسولُ الله، فإذا أصبحتَ فاتْبَعني، فإنِّي إنْ رأيتُ شيئًا أخافُه عليك قمتُ كأنِّي أُريقُ الماءَ، فإن مضيتُ فاتْبَعني حتَّى تدخُلَ مَدْخَلي، فقعَد [3] ، فانطلَق يقْفوه حتَّى دخَل على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلمَ ودخَل معه، فسمِع مِن قوله وأسلمَ مكانَه، فقال له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلمَ: ارجِع إلى قومِكَ فأخبِرهم حتَّى يأتيَك أمري. فقال: والَّذي نفسي بيده؛ لأَصرُخنَّ بها بين ظَهرانَيهم [4] فخرج حتَّى أتى المسجدَ، فنادى بأعلى صوتِه: أشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ
ج 1 ص 148
وثار القومُ فضربوه حتَّى أضجَعوه، وأتى العبَّاسُ فأكبَّ عليه، وقال: ويلَكم! ألستُم تعلمون أنَّه من غِفارٍ، وأنَّ طريقَ تُجَّارِكم إلى الشَّام عليهم؟! فأنقَذه منهم، ثمَّ عاد منَ الغد بمثلِها، وثاروا إليه فضرَبوه، فأكبَّ عليه العبَّاسُ فأنقَذه». [خ¦3861]
وفي الرِّواية الأخرى: «أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلمَ قال له لمَّا أسلَم: يا أبا ذرٍّ؛ اكْتُم هذا وارجِع إلى بلدِك، فإذا بلغَك ظهورُنا فأَقْبِل. قال: فقلت: والَّذي بعثك بالحقِّ؛ لأصرُخنَّ بها بين أظهرِهم ... » ، وذكر نحوَه، وقال: فكان هذا أوَّل إسلامِ أبي ذرٍّ [5] .
وهو في أفراد مسلم على مساقٍ آخرَ يوجِب إيرادَه:
عن عبد الله بنِ الصَّامتِ قال: قال أبو ذرٍّ: «خرجْنا مِن قومنا غِفارٍ، وكانوا يُحلِّون الشَّهرَ الحرامَ، فخرجتُ أنا وأخي أُنيسٌ وأُمُّنا، فنزلْنا على خالٍ لنا، فأكرمَنا خالُنا وأحسنَ إلينا، فحسدَنا قومُه، فقالوا: إنَّك إذا خرجتَ عن أهلِك خالفَ إليهم أُنيسٌ فجاء خالُنا فنَثا [6] علينا الَّذي قيلَ له، فقلتُ: أمَّا ما مضى من معروفِك فقد كدَّرتَه، ولا جِماعَ لك [7] فيما بعدُ، فقرَّبْنا صِرْمَتَنا [8] فاحْتمَلْنا عليها، وتغطَّى خالُنا بثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتَّى نزلْنا بحضْرةِ مكةَ فنافَرَ [9] أُنَيسٌ عن صِرمَتِنا وعن مثلِها، فَأَتَيا [10] الكاهِنَ، فخيَّر أُنَيسًا، فأتانا [11] أُنيسٌ بصِرمَتِنا ومثلِها معها، قال: وقد صلَّيتُ يابنَ أخي قبل أن ألقى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلمَ بثلاثِ سنينَ، قلتُ: لمَن؟ قال: لله، قلتُ: فأين توجَّهُ؟ قال: أتوجَّهُ حيث يوجِّهُني ربِّي [12] ، أُصلِّي عِشاءً، حتَّى إذا كان مِن آخر اللَّيلِ أُلقيتُ كأنِّي خِفاءٌ [13] حتَّى تعلوَني الشَّمسُ.
فقال أُنَيسٌ: إنَّ لي حاجةً بمكةَ فاكفِني، فانطلَق أُنَيسٌ حتَّى أتى مكةَ، فراثَ [14] عَليَّ ثمَّ جاء، فقلتُ: ما صنعتَ؟ قال: لقيتُ رجلًا بمكةَ على دينِك يزعُم أنَّ اللهَ أرسلَه، قلتُ: فما يقول النَّاسُ؟ قال: يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ، وكان أُنيسٌ أحدَ الشُّعراءِ، قال أُنَيسٌ: لقد سمعتُ قولَ الكهَنةِ فما هو بقولِهم
ج 1 ص 149
ولقد وضعتُ قولَه على أَقْراءِ الشِّعر فما يلتَئمُ على لسان أحدٍ بعدي أنَّه شِعرٌ، والله إنَّه لصادقٌ وإنَّهم لكاذبون، قال: قلتُ: فاكفِني حتَّى أذهبَ فأنظرَ، قال: فأتيتُ مكةَ فتضعَّفتُ رجلًا [15] منهم، فقلت: أينَ هذا الَّذي تدْعونَه الصَّابئَ؟! فأشارَ إليَّ، فقال: الصَّابئَ الصَّابئَ، فمالَ [16] عليَّ أهلُ الوادي بكلِّ مَدَرَةٍ وعَظمٍ حتَّى خررتُ مَغشيًَّا عليَّ، قال: فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأنِّي نُصُبٌ أحمرُ [17] ، قال فأتيتُ زمزمَ فغسلتُ عني الدِّماءَ وشرِبتُ مِن مائها، ولقد لبثتُ يابنَ أخي ثلاثينَ بين ليلةٍ ويومٍ، وما كان لي طعامٌ إلَّا ماءُ زمزمَ، فسمِنتُ حتَّى تكسَّرتْ عُكَنُ بطني وما وجدتُ على كبِدي سَُخْفةَ جوعٍ [18] .
قال: فبينما أهلُ مكَّةَ في ليلةٍ قَمراءَ [19] إضْحِيان [20] إذ ضُرِبَ على أَصمِخَتِهم [21] ، فما يطوفُ بالبيت أحدٌ، وامرأتانِ منهم تدعوَانِ إِسافًا ونائلةَ [22] ، قال: فأتَتا عليَّ في طوافِهما، فقلتُ: أنكِحا أحدَهما الأُخرى، قال: فما تناهَتا عن قولِهما، قال: فأتَتا عليَّ فقلت: هَنٌ مثلُ الخَشَبَةِ [23] غيرَ أنِّي لا أَكْني، فانطَلَقَتا تُوَلْوِلانِ [24] وتقولانِ: لو كان ههنا أحدٌ من أنفارِنا [25] ، قال: فاستَقبَلَهُما رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ وأبو بكرٍ وهما هابِطانِ، قالتا: الصَّابئُ بينَ الكعبةِ وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنَّه قال لنا كلمةً تملأُ الفَمَ.
وجاء رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ حتَّى استَلمَ الحجَرَ وطاف بالبيت هو وصاحبُه، ثمَّ صلَّى، فلمَّا قضى صلاتَه قال أبو ذرٍّ: فكنتُ أوَّلَ مَن حيَّاه بتحيَّة الإسلامِ، قال: وعليكَ ورحمةُ الله. ثمَّ قال: من أنتَ؟ قلتُ: من غِفارٍ، قال: فأَهوى بيده فوضَع أصابعَه على جبهته، فقلت في نفسي: كرِهَ أنِ انتميتُ إلى غِفارٍ، فذهبتُ آخذُ بيده، فقدَعَني صاحبُه [26] وكان أعلمَ به منِّي، ثمَّ رفَع رأسَه فقال: متى كنتَ ههنا؟
ج 1 ص 150
قال: قلتُ: قد كنتُ ههنا من ثلاثينَ بين ليلةٍ ويومٍ، قال: فمَن كان يُطعِمك؟ قال: قلت: ما كان لي طعامٌ إلَّا ماءُ زمزمَ، فسمِنتُ حتَّى تكسَّرتْ عُكَنُ بطني وما أجد على كبِدي سَُخْفةَ جوعٍ، قال: إنَّها مباركةٌ، إنَّها طعامُ طُعْمٍ [27] . فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ الله، ائذنْ لي في طعامه اللَّيلةَ، فانطلق رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ وأبو بكرٍ وانطلقتُ معهما، ففتح أبو بكرٍ بابًا، فجعل يقبِضُ لنا من زبيبِ الطَّائفِ، فكان ذلك أوَّلَ طعام أكَلتُهُ بها.
ثم غَبَرْتُ ما غَبَرْتُ [28] ، ثمَّ أتيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلمَ فقال: إنَّه قد وُجِّهَت لي أرضٌ ذاتُ نخلٍ، لا أُراها إلَّا يثرِبَ، فهل أنتَ مبلِّغٌ عنِّي قومَك، عسى اللهُ أن ينفعَهم بك ويأجُرَك فيهم. فأتيتُ أُنَيسًا، فقال: ما صنعتَ؟ قلت: صنعتُ أنِّي قد أسلمتُ وصدَّقتُ، فأتينا أُمَّنا فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينِكما، فإنِّي قد أسلمتُ وصدَّقْتُ، فاحتَمَلْنا حتَّى أتينا قومَنا غِفارًا، فأسلَم نصفُهم [29] ، وكان يؤمُّهم إيماءُ بنُ رَحَضَةَ الغِفاريُّ _وكان سيِّدَهم_ وقال نصفُهم: إذا قَدِمَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ المدينة أسلَمْنا، فقدِمَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ وأسلمَ نصفُهم الباقي، وجاءتْ أسلمُ فقالوا: يا رسولَ الله؛ إخوتُنا، نُسلِمُ على الَّذي أسلَموا عليه، فأسلَموا فقال رسولُ الله