فهرس الكتاب
357 -الثَّاني: في ذكر المعراجِ: عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كان أبو ذرٍّ يحدِّث أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلمَ قال: «فُرِجَ سقفُ بيتي [1] وأنا بمكةَ، فنزَل جبريلُ صلَّى الله عليه وسلمَ، ففَرَجَ صدري ثمَّ غسلَه من ماءِ زمزمَ، ثمَّ جاء بطَستٍ مِن ذهبٍ ممتلِئٍ حكمةً وإيمانًا، فأفرَغها في صدري ثمَّ أطبَقه، ثمَّ أخذ بيدي فعَرج بي إلى السَّماء، فلمَّا جئنا السماءَ الدُّنيا قال جبريلُ لخازِن السماء الدُّنيا: افتَحْ، قال: مَن هذا؟ قال: هذا جبريلُ، قال: هل معك أحدٌ؟ قال: نعم، معي محمدٌ صلَّى الله عليه وسلمَ، قال: فأُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، فافتَح، قال: فلمَّا عَلَونا السماءَ الدُّنيا فإذا رجلٌ عن يمينه أَسوِدَةٌ [2] وعن يساره أَسوِدَةٌ، قال: فإذا نظَر قِبَلَ يمينه ضحِك، وإذا نظر قِبَلَ شمالِه بكى! قال: فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ والابنِ الصَّالحِ، قال: قلتُ: يا جبريلُ؛ من هذا؟ قال: هذا آدمُ صلَّى الله عليه وسلمَ، وهذه الأَسوِدةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بَنيه، فأهلُ اليمينِ أهلُ الجنَّةِ، والأَسوِدَةُ الَّتي عن شماله أهلُ النَّارِ، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحِك، وإذا نظر قِبَلَ شمالِه بكى. قال: ثمَّ عرَج بي جبريلُ حتَّى أتى السماءَ الثانيةَ، فقال لخازنِها: افتَح، قال: فقال له خازنُها مثلَ ما قال لخازن السماءِ الدُّنيا، ففَتَح.
فقال أنسُ بنُ مالكٍ: فذكر أنَّه وجَد في السماوات آدمَ وإدريسَ وعيسى وموسى وإبراهيمَ صلواتُ الله عليهم، ولم يُثْبِتْ كيف منازِلُهم، غيرَ أنَّه ذكر أنَّه وجَد آدمَ عليه السَّلام في السماءِ الدُّنيا، وإبراهيمَ في السماءِ السَّادسة.
قال: فلمَّا مرَّ جبريلُ ورسولُ الله بإدريسَ صلواتُ الله عليهم قال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ والأخِ الصَّالحِ، قال: ثمَّ مرَّ، فقلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا إدريسُ، قال: ثمَّ مررتُ بموسى فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ والأخِ الصَّالح، قال: قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا موسى، قال: ثمَّ مررتُ بعيسى
ج 1 ص 152
فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ والأخ الصَّالحِ، قال: قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا عيسى ابنُ مريمَ، قال: ثمَّ مررتُ بإبراهيمَ عليه السَّلام، فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والابنِ الصَّالح، قال: قلتُ: مَن هذا؟ قال: هذا إبراهيمُ».
قال ابنُ شهابٍ: وأخبرني ابنُ حَزْمٍ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وأبا حبَّةَ الأنصاريَّ يقولان: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ: «ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظهرتُ لمستوىً [3] أسمَعُ فيه صَريفَ الأقلامِ [4] » .
قال ابنُ حزمٍ وأنسُ بنُ مالكٍ: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ: «ففرَض اللهُ على أمَّتي خمسين صلاةً، قال: فرجعتُ بذلك حتَّى أَمُرَّ بموسى، فقال موسى صلَّى الله عليه وسلمَ: ماذا فرَض ربُّك على أمَّتك؟ قال: قلت: فرَض عليهم خمسين صلاةً، قال لي موسى: فراجِع ربَّك؛ فإنَّ أمَّتك لا تُطِيقُ ذلك، قال: فراجعتُ ربِّي، فوضع شطرَها، قال: فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُه، قال: راجِع ربَّك؛ فإنَّ أمَّتَك لا تُطيقُ ذلك، قال: فراجعتُ ربِّي، فقال: هي خمسٌ وهي خمسون، لا يُبدَّلُ القولُ لَدَيَّ، قال: فرجعتُ إلى موسى، فقال: راجِعْ ربَّك، فقلت: قد استحيَيتُ مِن ربِّي، قال: ثمَّ انطلقَ بي جبريلُ حتَّى نأتيَ سِدرةَ المنتهى، فغَشِيَها ألوانٌ لا أدري ما هي؟! قال: ثمَّ أُدخِلتُ الجنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ [5] اللؤْلؤِ، وإذا ترابُها المِسكُ» . [خ¦349]
[1] فُرِج سقفُ بيتي: أي: كُشف وشُق، ومنه قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} [الانشقاق:1] أي: شُقت وخُرقت، والفروج: الشقوق، وكلُّ ما اتسع بعد انضمامٍ فقد انفرج.
[2] الأَسْوِدةُ: الأشخاص، من السواد وهو الشخصُ. (ابن الصلاح) نحوه
[3] ظهرتُ لمستوىً: أي: علوتُ وارتفعت، ومنه قوله: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} [الكهف:97] أي: لم يقدروا أن يرتفعوا عليه، «مستوى» : مكانٌ مستوٍ معتدلٌ.
[4] صَريفُ الأقلامِ: صوتُ حركتِها في المخطوط فيه، وقد يُستعمل الصَّريف في بكرة البئر وفي ناب البعير؛ أي: صوت حركتهما.
[5] الجَنابِذُ: القِباب والجُنبُذ: القُبّة