فهرس الكتاب
611 -الثَّاني: عن أبي رجاءٍ العُطَارِدِيِّ عن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ _من روايةِ جريرِ بنِ حازمٍ عن أبي رجاءٍ عنه_ قال: «كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلمَ إذا صلَّى الصُّبحَ أقبَلَ عليهِم بوجْهِه، فقال: هل رأى أحَدٌ منكمُ البارِحةَ [1] رُؤْيا؟» .
هذا الَّذي أخرجَهُ مسلمٌ مِن هذا الحديثِ لم يزِد، [خ¦845]
وأخرجَهُ البخاريُّ بطُولِه ومقَطَّعًا في مواضِعَ عدَّةٍ، وهذا نصُّه بطُولِه من حديثِ عَوفٍ الأعرابيِّ [2] عن أبي رجاءٍ عنه قال: «كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ ممَّا يُكثِرُ أن يقولَ لأصحابِه: هل رأى أحَدٌ منكُم مِن رُؤيَا؟ فيَقُصُّ عليه مَن [3] شاءَ اللهُ أن يَقُصَّ وإنَّه قال لنا ذاتَ غَداةٍ [4] : إنَّه أتاني اللَّيلةَ آتِيانِ، وإنَّهما ابتَعَثاني، وإنَّهما قالا لي: انطلِقْ، وإنِّي انطلَقتُ معهما، وإنَّا أتَينا على رجلٍ مُضطَجعٍ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصخْرةٍ، وإذا هو [5] يَهوِي بالصَّخرةِ لرأسِه فيَثلَغُ رأسَه [6] فيَتدَهدَه [7] الحجرُ هَهُنا، فيَتبَعُ الحجرَ فيأخذُه، فلا يرجِعُ إليه حتَّى يصِحَّ رأسُه كما كان، ثمَّ يعودُ عليهِ فيفعل به مثلَ ما فعَل مرَّةَ الأُولى، قال: قلتُ لهما: سبحانَ الله! ما هذا؟! قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ، فانطلَقْنا فأتَينا على رجلٍ مُستَلقٍ لقَفاهُ، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بكَلُّوبٍ [8] مِن حديدٍ، وإذا هو يأتي أحَدَ شِقَّيْ وجهِه فيُشَرشِرُ [9] شِدقَه إلى قفاهُ ومِنخَرَهُ إلى قفاهُ، وعينَه إلى قفاهُ _قال: وربَّما قال أبو رجاءٍ: فيشُقُّ_ قال: ثمَّ يتَحوَّلُ إلى الجانبِ الآخَرِ، فيفعل به مثلَ ما فعَل بالجانبِ الأوَّلِ، قال: فما يفرُغُ مِن ذلكَ الجانبِ حتَّى يصِحَّ ذلك الجانِبُ كما كان، ثمَّ يعودُ فيفعَل مثلَ ما فعَل في المرَّةِ الأولى، قال: قلتُ: سبحانَ الله! ما هذانِ؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ.
فَانطلَقْنا، فأَتَينا على مثلِ التَّنُّورِ _قال: فأحسَبُ أنَّه كأنَّه يقولُ: فإذا فيه لَغَطٌ وأصواتٌ_
ج 1 ص 243
قال: فاطَّلَعنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يأتِيهم لَهَبٌ [10] مِن أسفلَ منهم، فإذا أتاهُم ذلكَ اللَّهبُ ضَوْضَوْا [11] ، قال: قلتُ: ما هؤلاءِ؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ، فَانطلَقْنا، فأتَينا على نهَرٍ _حسِبتُ أنَّه كان يقولُ: أحمرَ مثلِ الدَّمِ_ وإذا في النهَر رجلٌ سابِحٌ يسبَح [12] ، وإذا على شطِّ النهَرِ [13] رجلٌ قد جمَع عندَه حجارةً كثيرةً، وإذا ذلك السَّابحُ يسبَح ما يسبَح [14] ، ثمَّ يأتي ذلكَ الَّذي قد جمَع عنده الحجارةَ فيَفغَرُ له فاهُ ( [15] فيُلقِمُه حجرًا، فينطلِقُ فيسبَح، ثمَّ يرجِعُ إليه، كلَّما رجَع إليه فَغَرَ له فاهُ فألْقَمه [16] حجرًا، قلت لهما: ما هذانِ؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلَقْنا فأتَينا على رجلٍ كريهِ المَرْآةِ [17] ، أو كأَكرَهِ ما أنتَ راءٍ رجلًا مَرأًى! وإذا عندهُ نارٌ يَحُشُّها [18] ويسعى حولَها، قال: قلتُ لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ.
فانطلَقْنا فأتَينا على [19] رَوضةٍ مُعتَمَّةٍ [20] فيها مِن كلِّ نَورِ الرَّبيعِ، وإذا بين ظَهرَيِ الرَّوضةِ رجلٌ طويلٌ لا أكادُ أرى رأسَه طُولًا في السَّماءِ! وإذا حولَ الرَّجلِ مِن أكثرِ ولدانٍ رأيتُهم قطُّ! قال: قلتُ: ما هذا؟ ما هؤلاءِ؟ قال: قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ، فانطلَقْنا، فأتَينا إلى دَوحةٍ عظيمةٍ لم أرَ دوحةً قطُّ أعظمَ منها ولا أحسنَ! قال: قالا لي: ارْقَ فيها، قال: فَارْتقَينا فيها إلى مدينةٍ مَبنيَّةٍ بلَبِنٍ [21] ذهبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، قال: فأتَينا بابَ المدينة، فاستَفتَحنا ففُتِحَ لنا، فدخَلْناها، فتلقَّانا رجالٌ شطْرٌ مِن خَلقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ، وشطْرٌ منهم كأقبَحِ ما أنتَ راءٍ! قال: قالا [22] لهم: اذهَبوا فقَعوا في ذلكَ النَّهرِ، قال: وإذا نهرٌ معتَرِضٌ يجري، كأنَّ ماءَهُ المَحضُ في البياضِ [23] ، فذهَبوا فوقَعوا فيه، ثمَّ رجَعوا إلينا قد ذهَب ذلكَ السُّوءُ عنهم، فصاروا في أحسنِ صورةٍ.
قال: قالا لي: هذه جَنَّةُ عَدْنٍ، وهذاكَ منزلُكَ، قال: فَسَمَا [24] بصَري صُعُدًا [25] ، فإذا قصْرٌ مثلُ الرَّبابةِ البيضاءِ [26] ،
ج 1 ص 244
قال: قالا لي: هذاكَ منزلُكَ، قال: قلتُ لهما: بارَك اللهُ فيكما، فذَراني فأدخُلَه، قالا: أمَّا الآنَ فلا، وأنتَ داخِلُه.
قال: قلتُ لهما: فإنِّي رأيتُ منذُ اللَّيلةِ عجبًا! فما هذا الَّذي رأيتُ؟ قال: قالا لي: أمَا إنَّا سنُخبِرُكَ: أمَّا الرَّجلُ الأوَّلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُثلَغُ رأسُه بالحجر، فإنَّهُ الرَّجلُ يأخُذ القرآنَ فيَرفِضُه، وينامُ عنِ الصَّلاة المكتوبةِ، وأمَّا الرَّجلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُشَرشَرُ شِدقُه إلى قفاهُ، ومِنخَرُهُ إلى قفاهُ، وعينُه إلى قفاهُ، فإنَّه الرَّجلُ يغدو مِن بيتِه فيكذِبُ الكِذبةَ تبلُغُ الآفاقَ، وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذين هُم في مثلِ بناءِ التَّنُّورِ، فإنَّهمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمَّا الرَّجلُ الَّذي أتَيتَ عليه يسبَحُ في النَّهرِ ويُلقَمُ الحجارةَ فإنَّه آكِلُ الرِّبا، وأمَّا الرَّجلُ الكرِيهُ المَرآةِ الَّذي عند النَّارِ يَحُشُّها ويسعى حولَها، فإنَّه مالِكٌ خازِنُ جهنَّمَ، وأمَّا الرَّجلُ الطَّويلُ الَّذي في الرَّوضةِ فإنَّه إبراهيمُ، وأمَّا الوِلدانُ الَّذين حولَه فكلُّ مولودٍ ماتَ على الفِطرةِ _وفي رواية البَرقانيِّ: ولِدَ على الفِطرةِ_.
قال: فقال بعضُ المسلمينَ: يا رسولَ الله؛ وأولادُ المشركينَ! فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلمَ: وأولادُ المشركينَ، وأمَّا القومُ الذين كانوا شطْرٌ منهم حسَنٌ وشطْرٌ منهم قبِيحٌ، فإنَّهم قومٌ خلَطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئًا، تجاوَزَ اللهُ عنهم». [خ¦1143]
وعند البخاريِّ في حديث جريرِ بنِ حازمٍ نحوٌ منه، وفيه: «رأيتُ اللَّيلةَ رجلَينِ أتَيَاني فأخْرَجاني إلى أرضٍ مقدَّسةٍ ... » ثمَّ ذكَرهُ، وقال: «فَانطلَقْنا [27] إلى ثُقبٍ [28] مِثلِ التَّنُّورِ، أعلاهُ ضَيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ، تتوقَّدُ تحتَه نارٌ، فإذا ارتَقَت ارتفَعوا حتَّى كادَ أن يخرُجوا، وإذا خمَدَتْ رجَعوا فيها، وفيها رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ.
ج 1 ص 245
وفيه: حتَّى أتَينا على نهَرٍ من دمٍ _ولم يشُكَّ_ فيه رجلٌ قائمٌ على وَسَطَ النَّهر، وعلى شطِّ النهَرِ رجلٌ وبين يديه حجارةٌ، فأقبل الرَّجلُ الَّذي في النهَر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرَّجلُ بحجرٍ في فِيه فردَّه حيثُ كانَ، فجعَل كلَّما جاء ليخرُجَ رمى في فِيهِ بحجرٍ فيرجِعُ كما كانَ.
وفيه: فصَعِدا بي الشَّجرةَ، فأدْخَلاني دارًا لم أرَ قطُّ أحسنَ منها! فيها رجالٌ شيوخٌ وشبابٌ.
وفيه: الَّذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقُه فكذَّابٌ يحدِّثُ بالكِذبة فتُحمَلُ عنه حتَّى تبلُغَ الآفاقَ، فيُصنَعُ بها إلى يوم القيامةِ، والَّذي رأيتَه يُشدَخُ رأسُه فرجلٌ علَّمه اللهُ القرآنَ، فنام عنه باللَّيل ولم يعمَلْ فيه بالنَّهار، يُفعَلُ به إلى يوم القيامةِ، والدَّارُ الأولى الَّتي دخَلتَ دارُ عامَّةِ المؤمنين، وأمَّا هذه الدَّارُ فدارُ الشُّهداءِ، وأنا جبريلُ، وهذا ميكائيلُ، فارفَع رأسَكَ. فرفَعتُ رأسي، فإذا فوقي مثلُ السَّحابِ، قالا: ذاك منزلُكَ، قلت: دعاني أدخُلُ منزلي، قالا: إنَّه بقِيَ لك عُمْرٌ لم تستكمِلْه، فلو استكمَلتَه أتيتَ منزلَكَ». [خ¦1386]
[1] استشكل في (ابن الصلاح) إطلاق لفظ البارحة على الليلة الماضية قبل الزوال، وقال النووي: قول ثعلب وغيره إنه لا يقال البارحة إلا بعد الزوال؛ يحتمل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته، ولا يمتنع إطلاقه قبل الزوال مجازًا ويحملون الحديث على المجاز، وإلا فمذهبهم باطل بهذا الحديث. «شرح مسلم» 15/ 35
[2] سقط قوله: (الأعرابي) من (أبي شجاع) .
[3] في (أبي شجاع) : (ما) ، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[4] في (ابن الصلاح) : (يوم) ، وما أثبتناه من (أبي شجاع) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[5] تحرفت في (أبي شجاع) إلى: (هوى) .
[6] يَثْلَغُ رأسَه: يَشدَخَه، وحقيقةُ الشَّدْخ: فَضْخُك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ، يقال ثَلَغَه يَثْلَغُه ثَلْغًا، والفَضْخ والثَّلْغ والشَّدْخُ كلها بمعنىً واحد، ويقال لما سقط من النخل من الرطب وانشدخ: مُثَلَّغ. (ابن الصلاح) نحوه
[7] دَهدَهتُ الشيءَ: دحرجتُه، وتدَهدَه؛ أي: تدحرج. (ابن الصلاح) نحوه
[8] الكَلُّوبُ والكُلَّاب والكَلْبُ: حديدة عَقْفاء تُعلَّق عليها المعاليق، والجمعُ كلاليب، وكلاليبُ البازيِّ والكلبِ مخاليبه. (ابن الصلاح) نحوه.
[9] شَرْشَر الشيءَ: قطعه وشقه. (ابن الصلاح) نحوه
[10] اللَّهَبُ: حرُّ النار واشتعالها
[11] الضَّوضاء: أصواتُ الناس وصياحُهم وضجيجُهم، وهي الاستغاثةُ ورفع الصوتِ بما لا يُفهم منه أكثر من كراهيةِ المستغيث لما هو فيه وضجرِه منه، ويقال عن الجماعة ضَوضَوا، والمصدر الضوضاة بلا همز. (ابن الصلاح) نحوه
[12] السِّباحة: العَوْمُ.
. [13] الشَّطُ: جانب النهر، وشطاه: جانباه، والشاطئ كذلك
[14] في (أبي شجاع) : (سبح) ، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[15] فَغَر فاهُ يَفْغَُره: إذا فتحه، ويقال: فَغَر فُوه إذا جعل الفعل للفم، وانْفَغَر النورُ: تفتَّح، والأصل في الانفغار الانفساح والانفتاح، ويقال للأرض الواسعة: المفغَرة.
[16] في (ابن الصلاح) : (فيلقمه) ، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[17] مَرْأَى: يعني منظرًا
[18] يَحُسُّها: يوقدها. كذا في الغريب بالسين وفي نسخة أبي شجاع في الموضعين.
[19] أشار لها في (ابن الصلاح) : (سع) ، وهو الموافق لنسختنا من رواية البخاري،
وفي (أبي شجاع) وهامش
(ابن الصلاح: ص) : (فانطلقنا على) .
[20] مُعتَمّة: بتشديد الميم أي تامة النبات، ويروى بالتخفيف أي شديدة السواد. «فتح الباري» 1/ 160
[21] اللَّبِنَةُ: من الطين وجمعُها لَبِن، ويقال: لَبِنةٌ أيضًا، وجمعها لَبِن بكسر الباء في الواحد والجمع.
[22] في (ابن الصلاح) : (قال) ، وما أثبتناه من (أبي شجاع) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[23] المَحضُ: اللَّبَن الخالص، كأنَّه سُمّي بالصفة ثم استُعمل في الصفاء، فقيل: عربيٌ محض؛ أي خالص، وأمحضتُك النصيحةَ؛ أي: صدقتُك فيها، ويقال: محضتُ القوم إذا سقيتَهم محضًا؛ أي: لبنًا، وامتَحضْتُ أنا إذا شربت محضًا. (ابن الصلاح) و (أبي شجاع) نحوه.
[24] سَما بصري: أي: ارتفع
[25] في (أبي شجاع) : (صعداء) ، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري. وصُعُدًا: أي: مرتفعًا، والصعودُ الارتفاع، ويقال: صعِد وأَصْعَد فهو صاعد ومُصعِد، قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران:153] قيل: الإصعاد الذهابُ في الأرض، وقيل: من توجّه في وجهٍ يقصده من سفرٍ أو غيره فهو مُصعِدٌ في ابتدائه منحدِرٌ في رجوعه. (ابن الصلاح) نحوه.
[26] الرَّباب: سحاب دون السحاب. (ابن الصلاح) نحوه.
[27] في (أبي شجاع) : (فانطلقت) ، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[28] ثَِقب: بتثليث الثاء.