فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 4262

56 -الثَّاني عشر: في مقتل عمرَ والشُّورى: من رواية المِسوَر بن مَخرمةَ مختصرًا في الشُّورى، ومن رواية عمرو بن ميمون بطوله، وهذا حديث عمرو؛ لأنَّ حديث المسور طرفٌ منه، قال عمرو: رأيت عمر بن الخطَّاب قبل أن يُصاب بأيَّام بالمدينة، وقف على حذيفةَ بن اليمان وعثمانَ بن حُنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حَمَّلتما الأرضَ ما لا تُطيق؟ قالا: حَمَّلناها أمرًا هي له مُطيقة، وما فيها كبير فضلٍ، فقال: انظرا أن تكونا حَمَّلتما الأرضَ ما لا تطيق! فقالا: لا، فقال عمر: لئن سلَّمني الله عزَّ وجلَّ لَأدعنَّ أراملَ أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي أبدًا، فما أتت عليه إلَّا رابعةٌ حتَّى أُصيب. رحمة الله عليه.

ج 1 ص 45

قال عمرُو بن ميمون: وإنِّي لقائمٌ ما بيني وبينه إلَّا عبد الله بن عبَّاسٍ غداةَ أُصيب، وكان إذا مرَّ بين الصَّفَّين قام بينهما، فإذا رأى خَلَلًا [1] قال: استووا، حتَّى إذا لم يرَ فيهم خَللًا تقدَّم فكبَّر، قال: وربَّما قرأ سورة (يوسف) أو (النَّحل) أو نحوَ ذلك في الرَّكعة الأولى حتَّى يجتمع النَّاس فما هو إلَّا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلَني _ أو أكلني _ الكلبُ [2] حين طعنَه، فطار العِلج [3] بسكِّينٍ ذاتِ طرفَين لا يمرُّ على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلَّا طعنه، حتَّى طعن ثلاثةَ عشرَ رجلًا، فمات منهم تسعة _ وفي روايةٍ سبعة _ فلمَّا رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه بُرنسًا، فلمَّا ظنَّ العِلج أنَّه مأخوذٌ نحرَ نفسَه.

وتناول عمرُ عبدَ الرَّحمن بن عوف فقدَّمه، فأمَّا مَن كان يلي عمرَ فقد رأى الَّذي رأيت، وأمَّا نواحي المسجد فإنَّهم لا يدرون ما الأمرُ، غيرَ أنَّهم فقدوا صوتَ عمر وهم يقولون: سبحانَ الله، سبحانَ الله، فصلَّى بهم عبد الرَّحمن بن عوف صلاةً خفيفةً، فلمَّا انصرفوا قال: يا ابنَ عبَّاسٍ؛ انظر مَن قتلني، قال: فجال ساعةً ثمَّ جاء فقال: غلامُ المغيرة بن شعبةَ، فقال: الصَّنَعُ [4] ؟ قال: نعم؛ قال: قاتلَه الله، لقد كنت أمرتُ به معروفًا، ثمَّ قال: الحمد لله الَّذي لم يجعل ميتتي بيد رجلٍ مسلمٍ، قد كنتَ أنت وأبوك تحبَّان أن تكثُر العُلوج بالمدينة _ وكان العبَّاس أكثرَهم رقيقًا _ فقال ابن عبَّاسٍ: إن شئتَ فعلتُ _ أي: إن شئت قتلنا _ قال: بعدما تكلَّموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجُّوا حجَّكم! فاحتُمِلَ إلى بيته، فانطلقنا معه، قال: وكأنَّ النَّاس لم تُصبهم مصيبةٌ قبلَ يومئذٍ، قال: فقائلٌ يقول: أخافُ عليه، وقائلٌ يقول: لا بأسَ، فأُتِيَ بنبيذٍ فشرب منه، فخرج من جَوفه، ثمَّ أُتِيَ بلبنٍ فشرب منه فخرج من جرحه، فعرفوا أنَّه ميِّتٌ، قال: فدخلنا عليه، وجاء النَّاس يُثنون عليه، وجاء رجلٌ شابٌّ [5] فقال: أبشِر يا أمير المؤمنين ببشرى الله عزَّ وجلَّ

ج 1 ص 46

قد كان لك من صحبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقَدَمٍ في الإسلام ما قد علمتَ، ثمَّ وُلِّيتَ فعدلتَ، ثمَّ شهادةٌ! فقال: ودِدت أنَّ ذلك كان كَفافًا لا عليَّ ولا لي، فلمَّا أدبر الرَّجل إذا إزاره يمَسُّ الأرض، فقال: ردُّوا عليَّ الغلام، فقال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنَّه أنقى [6] لثوبك، وأتقى لربِّك. يا عبد الله؛ انظر ما عليَّ من الدَّين، فحسَبوه، فوجدوه ستَّةً وثمانين ألفًا أو نحوَه، فقال: إن وفَى به مالُ آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلَّا فَسَل في بني عديِّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالُهم فسل في قريشٍ، ولا تعدُهم إلى غيرهم، وأدِّ عني هذا المالَ، انطلق إلى أمِّ المؤمنين عائشةَ، فقل: يقرأ عليكِ عمر السَّلامَ، ولا تقل: أميرُ المؤمنين، فإنِّي لست اليومَ للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمرُ بن الخطَّاب أن يُدفن مع صاحبيه، قال: فسلَّم واستأذن، ثمَّ دخل عليها فوجدَها قاعدةً تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلامَ ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريدُه لنفسي، ولَأوثِرنَّه اليومَ على نفسي، فلمَّا أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني، فأسنده رجلٌ إليه فقال: ما لدَيك؟ قال: الَّذي تحب يا أمير المؤمنين، أَذِنَتْ، قال: الحمد لله، ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قُبضت فاحملوني، ثمَّ سلِّم وقل: يستأذِن عمرُ، فإن أَذِنَت لي فأَدخلوني، وإن ردَّتني ردُّوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أمُّ المؤمنين حفصةُ والنِّساءُ يستُرنَها، فلمَّا رأيناها قُمنا، فولجت [7] عليه، فبكت عنده ساعةً، واستأذن الرِّجال فولجت داخلًا، فسمعنا بكاءها من الدَّاخل، فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلِف، قال: ما أرى أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النَّفر _ أو الرَّهْط _ الَّذين توفِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو عنهم راضٍ، فسمَّى عليًّا وعثمانَ والزُّبير وطلحة وسعدًا وعبدَ الرَّحمن، وقال: يَشهدكم عبدُ الله بن عمر

ج 1 ص 47

وليس له من الأمر شيءٌ _ كهيئة التَّعزية له _ فإن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعِن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإنِّي لم أعزله من عجزٍ ولا خيانةٍ.

وقال: أُوصي الخليفةَ من بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعرف لهم حقَّهم، ويحفظَ لهم حرمتَهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا، الَّذين تبوَّؤوا الدَّار والإيمان من قبلهم، أن يُقبَلَ من محسِنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنَّهم رِدء [8] الإسلام، وجُباة المال، وغَيظ العدو، وألَّا يُؤخذ منهم إلَّا فضلَهم عن رِضًا منهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنَّهم أصل العرب ومادَّة [9] الإسلام، أن يؤخذ من حواشي [10] أموالهم، ويُردَّ على فقرائهم، وأوصيه بذِمَّة الله وذِمَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، أن يوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل مِن ورائهم، ولا يُكلَّفوا إلَّا طاقتَهم. قال: فلمَّا قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلَّم عبد الله بن عمر وقال: يستأذن عمر بن الخطَّاب، فقالت: أَدخلوه، فأُدخل فوضع هناك مع صاحبيه.

فلمَّا فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاءِ الرَّهْطُ، فقال عبد الرَّحمن بن عوف: اجعلوا أمرَكم إلى ثلاثةٍ منكم، فقال الزُّبير: قد جعلتُ أمري إلى عليٍّ، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمانَ، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرَّحمن، فقال عبد الرَّحمن: أيُّكما يبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، واللهُ عليه والإسلامُ لينظرنَّ أفضلَهم في نفسه، فأَسكِتَ [11] الشَّيخانِ، فقال عبد الرَّحمن: أفتجعلونه إليَّ واللهُ عليَّ ألَّا آلوَ عن أفضلكم [12] ؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والقَدَمِ في الإسلام [13] ما قد علمتَ، فاللهُ عليك لئن أمَّرتك لتعدِلنَّ، ولئن أمَّرت عثمانَ لتسمعنَّ ولتُطيعنَّ، ثمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت