فهرس الكتاب
647 -الحديث الأوَّل: حديثُ الخَضِرِ وموسى عليهما السلام: عن ابنِ عباسٍ من رواية عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبَةَ بنِ مسعودٍ، عنه مختَصرًا: أنَّه تمارى هو والحُرُّ بنُ قيسِ بن حِصنٍ الفَزَاريُّ في صاحب موسى عليه السَّلام، فقال ابنُ عباسٍ: هو الخَضِرُ، فمرَّ بهما أُبَيُّ بنُ كعبٍ، فدَعاهُ ابنُ عباسٍ فقال: يا أبا الطُّفَيلِ؛ هَلُمَّ إلينا، فإنِّي قد تمارَيتُ أنا وصاحبي هذا في صاحبِ موسى الذي سأل موسى السَّبيلَ إلى لُقِيِّهِ، فهل سمِعتَ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يذكُرُ شأنَه؟ فقال: إنِّي سمِعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «بينا موسى في ملأٍ مِن بني إسرائيلَ إذ جاءه رجلٌ فقال: هل تعلَمُ أحدًا أعلمَ منكَ؟ قال موسى: لا، فأوحى اللهُ إلى موسى: بل _وفي رواية الأوزاعيِّ وغيرِه: بلى_ عبدُنا الخَضِرُ، فسأل موسى السَّبيلَ إلى لُقِيِّه، فجعَل اللهُ له الحوتَ آيةً، وقال _وفي رواية صالحٍ: وقيل_ له: إذا افتقَدتَ الحوتَ فارجِع فإنَّكَ ستَلقاهُ، فسار موسى ما شاءَ الله أن يسيرَ، ثمَّ قال لفتاهُ: آتِنا غَداءَنا، فقال فتى موسى حينَ سأله الغداءَ: أرأيتَ إذ أوَينا إلى الصخرةِ، فإنِّي نسِيتُ الحوتَ وما أنسانِيهُِ إلَّا الشيطانُ أن أذكرَهُ، فقال موسى لفتاهُ: ذلك ما كنَّا نبغي، فارتدَّا على آثارِهما قَصَصًا، فوجدا خَضِرًا، فكان مِن شأنِهما ما قصَّ اللهُ في كتابِه» .
وفي رواية يونُسَ وصالحٍ والأوزاعيِّ: «فكان موسى يَتَّبِعُ أثَرَ الحوتِ في البحرِ» . [خ¦74]
وفي حديث يونُسَ قولُه: يا أبا الطُّفَيلِ، وليس ذلك عندَ غيره فيه، والألفاظُ فيما سوى ذلك متقارِبةٌ.
ج 1 ص 259
وهو بطولِه لهما في رواية سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أنَّه قال [1] : قلتُ لابنِ عباسٍ: إنَّ نَوفًا البِكَاليَّ [2] يزعُمُ أنَّ موسى صاحبَ بني إسرائيل ليس هو موسى صاحِبَ الخَضِرِ، فقال: كذَبَ عدوُّ الله! سمعت أُبَيَّ بنَ كعبٍ يقول: سمِعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «قام موسى عليه السَّلام خطيبًا في بني إسرائيلَ، فسُئلَ: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ فقال: أنا أعلمُ، قال: فعَتَبَ اللهُ عليه [3] إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه [4] أنَّ عبدًا مِن عبادي بمجمَعِ البحرَينِ هو أعلمُ منكَ، قال موسى: أيْ ربِّ؛ كيف لي به؟ فقيل له: احمِل حوتًا في مِكتَلٍ، فحيث يُفقَد الحوتُ فهو ثَمَّ، فانطلَق وانطلَق معه فتاهُ وهو يوشَعُ بن نُونَ، فحمَل موسى حوتًا في مِكتَلٍ وانطلَق هو وفتاهُ يمشيان حتى أتَيَا الصخرةَ، فرَقَدَ موسى وفتاهُ فاضطَربَ الحوتُ في المِكتَل حتى خرَج مِن المِكتَل فسقَط في البحر، قال: وأمسَك الله عنه جِريةَ الماءِ حتى كان مثلَ الطَّاقِ [5] ، فكان للحوت سَرَبًا [6] ، وكان لموسى وفتاهُ عجَبًا.
فانطلَقا بقيَّةَ يومِهما وليلتِهما، ونسيَ صاحبُ موسى أن يخبِرَهُ، فلمَّا أصبَح موسى عليه السَّلام قال لفتاه: آتِنا غَداءَنا لقد لَقِينا من سفرِنا هذا نَصَبًا [7] ، قال: ولم يَنصَب حتى جاوزَ المكانَ الذي أُمِرَ به، قال: أرأيتَ إذ أوَينا إلى الصخرةِ فإنِّي نسِيتُ الحوتَ وما أنسانِيهُِ إلا الشيطانُ أن أذكُرَه، واتَّخَذَ سبيلَه في البحر عَجَبًا، قال موسى: ذلك ما كنَّا نبغي، فارتدَّا على آثارِهما قَصَصًا، قال: يَقُصَّانِ آثارَهما حتى أتَيَا الصخرةَ، فرأى رجلًا مسجَّىً عليه بثوبٍ، فسلَّمَ عليه موسى، فقال له الخضِرُ: أنَّى بأرضِكَ السلامُ؟! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم، قال: إنَّك على علمٍ من عِلم الله علَّمَكَه اللهُ لا أعلَمُه، وأنا على علمٍ من علمِ الله علَّمنيه لا تعلَمُه، قال له موسى: هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمَني ممَّا عُلِّمتَ رُشدًا؟ قال: إنَّك لن تستطيعَ معي صبرًا، وكيف تصبِر على ما لم تُحِط به خُبْرًا؟
ج 1 ص 260
قال: ستجِدُني إن شاء اللهُ صابرًا ولا أعصي لكَ أمرًا، قال له الخضِرُ: فإن اتَّبَعتَني فلا تسألْني عن شيءٍ حتى أُحدِثَ لكَ منه ذِكرًا، قال: نعم.
فانطلَق الخضِرُ وموسى يمشيانِ على ساحل البحرِ، فمرَّت بهما سفينةٌ فكلَّماهم أن يَحمِلوهما، فعرَفوا الخضِرَ فحَمَلوهما بغير نَولٍ [8] ، فعمَدَ الخضِرُ إلى لَوحٍ مِن ألواحِ السفينةِ فنزَعَه، فقال له موسى: قومٌ حمَلونا بغيرِ نَولٍ عمَدتَ إلى سفينتِهم فخرَقتَها لتُغرِقَ أهلَها، لقد جئتَ شيئًا إمْرًا! قال: ألم أقل: إنَّك لن تستطيع معيَ صبرًا؟! قال: لا تؤاخِذْني بما نسِيتُ ولا تُرهِقْني من أَمري عُسرًا. ثمَّ خرجا مِن السفينةِ، فبينما هما يمشيانِ على الساحِلِ إذا غلامٌ يلعَبُ معُ الغِلمانِ، فأخذ الخَضِرُ برأسِه فاقتلَعَه بيدِه فقتَلَه.
فقال موسى: أقتلْتَ نفسًَا زاكيةً بغيرِ نفسٍ لقد جئتَ شيئًا نُكرًا! قال: ألم أقُل لكَ: إنَّك لن تستطيعَ معيَ صبرًا؟! قال: وهذه أشدُّ مِن الأولى، قال: إن سألتُك عن شيءٍ بعدها فلا تُصاحِبْني، قد بلغتَ من لَدُنِّي عُذرًا. فانطلَقا حتى إذا أَتَيَا أهلَ قريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يُضيِّفوهما، فوجَدا فيها جِدارًا يريد أن يَنقَضَّ _يقول: مائلٌ_ قال الخضِرُ بيده هكذا فأقامَه، قال له موسى: قومٌ أتَيناهم فلم يضيِّفونا ولم يُطعِمونا، لو شئتَ لاتَّخذتَ عليه أجرًا، قال: هذا فِراقُ بينِي وبينِك، سأنبِّئُك بتأويل ما لم تسطِع عليه صبرًا.
قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يرحَم اللهُ موسى، لودِدْتُ أنَّه كان صَبَر حتى يقُصَّ علينا من أخبارِهما. قال: وقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كانت الأولى مِن موسى نِسيانًا. قال: وجاء عصفورٌ حتى وقَع على حرفِ السَّفينة ثمَّ نقَر في البحر، فقال له الخضِر: ما نقَص عِلمي وعِلمُك من علمِ الله إلَّا مِثلَ ما نقَص هذا العُصفورُ من البحرِ».
ج 1 ص 261
زاد في حديث قتيبةَ: «وعِلمِ الخلائق ... » ، ثمَّ ذكر نحوَه.
قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وكان يقرأ: (وكان أمامَهم ملِكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ غَصبًا) وكان يقرأ: (وأمَّا الغُلامُ فكان كافرًا) . [خ¦4725]
وفي حديث سليمانَ التَّيميِّ: «أنَّه بينما موسى في قومِه يذكِّرُهم بأيَّام الله _وأيَّامُ الله نَعماؤه وبلاؤه_ إذ قال: ما أعلمُ في الأرض رجلًا خيرًا أو أعلمَ منِّي، قال: فأوحى اللهُ إليه: إنِّي أعلمُ بالخير منه، إنَّ في الأرض رجلًا هو أعلمُ منكَ، قال: يا ربِّ؛ فدُلَّني عليه، قال: فقيل له: تزوَّدْ حوتًا مالحًا، فإنَّه حيثُ تفقِدُ الحوتَ، قال: فانطلَق هو وفتاهُ حتى انتهَيَا إلى الصخرةِ،