الصفحة 108 من 1087

وقوله: (أنت مِنِّي وأنا منك) ليس المراد أنه من ذاته، ولاريب أنه أعظم الناس قدرًا من الأقارب، فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد لبقية القرابة فدخل في ذلك المباهلة، وذلك لا يمنع أن يكون في غير الأقارب من هو أفضل منه؛ لأن المباهلة وقعت في الأقارب، وقوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ. . .} الآية [الحج: 19] ، فهي مشتركة بين علي، وحمزة، وعبيدة، بل وسائر البدريين يشاركونهم فيها.

وأما سورة: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ} [سورة الإنسان] فمن قال: إنها نزلت فيه وفي فاطمة وابنيهما فهذا كذب؛ لأنها مكية والحسن والحسين إنما ولدا في المدينة، وبتقدير صحته فليس فيه أنه من أطعم مسكينًًًًا ويتيما وأسيرًا أفضل الصحابة، بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل هذا، وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل، مع أن غيره من الأعمال من الإيمان باللّه والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه.

سُئلَ الشيخ ـ رَحمَهُ اللَّه ـ عن إسلام معاوية بن أبي سفيان، متى كان؟ وهل كان إيمانه كإيمان غيره أم لا؟ وما قيل فيه غير ذلك؟

فَأَجَاب:

إيمان معاوية بن أبي سفيان ـ رضي اللّه عنه ـ ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك، كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة، مثل أخيه يزيد بن أبي سفيان، ومثل سُهَيْل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعِكْرِمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وأبي أسد بن أبي العاص بن أمية، وأمثال هؤلاء.

فإن هؤلاء يسمون: الطلقاء، فإنهم آمنوا عام فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة قهرًا، وأطلقهم ومنَّ عليهم، وأعطاهم وتألفهم، وقد روى أن معاوية بن أبي سفيان أسلم قبل ذلك وهاجر، كما أسلم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحَجَبِيّ ـ قبل فتح مكة ـ وهاجروا إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحًا فهذا من المهاجرين.

/وأما إسلامه عام الفتح مع من ذكر، فمتفق عليه بين العلماء، سواء كان أسلم قبل ذلك أو لم يكن إسلامه إلا عام فتح مكة، ولكن بعض الكذابين زعم أنه عيّر أباه بإسلامه، وهذا كذب بالاتفاق من أهل العلم بالحديث.

وكان هؤلاء المذكورون من أحسن الناس إسلامًا، وأحمدهم سيرة، لم يتهموا بسوء، ولم يتهمهم أحد من أهل العلم بنفاق، كما اتهم غيرهم، بل ظهر منهم من حسن الإسلام وطاعة اللّه ورسوله، وحب اللّه ورسوله، والجهاد في سبيل اللّه، وحفظ حدود اللّه، ما دل على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم، ومنهم من أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم واستعمله نائبا له، كما استعمل عَتَّاب بن أُسَيْد أميرًا على مكة نائبا عنه، وكان من خيار المسلمين، كان يقول: يا أهل مكة، واللّه لا يبلغني أن أحدًا منكم قد تخلف عن الصلاة إلا ضربت عنقه.

وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب ـ أبا معاوية ـ على نجران نائبًا له، وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان عامله على نجران.

وكان معاوية أحسن إسلامًا من أبيه باتفاق أهل العلم، كما أن أخاه يزيد بن أبي سفيان كان أفضل منه ومن أبيه؛ ولهذا استعمله أبو بكر الصديق ـ رضي اللّه عنه ـ على قتال النصارى حين فتح الشام، وكان هو أحد الأمراء الذين استعملهم أبو بكر الصديق، ووصاه بوصية معروفة نقلها أهل العلم، واعتمدوا عليها، وذكرها /مالك في الموطأ وغيره، ومشى أبو بكر ـ رضي اللهّ عنه ـ في ركابه مشيعا له، فقال له: يا خليفة رسول اللّه، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: لستَ بنازل ولستُ براكب، أحتسب خُطَائي هذه في سبيل اللّه ـ عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت