وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نَقَر نَقْر الغراب لم يخشع في سجوده. وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها. فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثمًا عاصيًا، وهو الذي بيناه.
ويدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تَوَعَّد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء، فإنه حركته ورفعه، وهو ضد حال الخاشع. فعن أنس بن مالك ـ رضي اللّه عنه ـ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (مابال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك. فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم) . وعن جابر بن سَمُرَة قال: دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المسجد، وفيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء. فقال: (لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء، أو لا ترجع إليهم أبصارهم) .
/ الأول في البخاري، والثاني في مسلم. وكلاهما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه.
وقال محمد بن سيرين: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يرفع بصره في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2] لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده. رواه الإمام أحمد في [كتاب الناسخ والمنسوخ] . فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع، حرمه النبي صلى الله عليه وسلم وتَوَعَّد عليه.
وأما الالتفات لغير حاجة، فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه؛ فلهذا كان ينقص الصلاة، كما روى البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) . وروى أبو داود والنسائي عن أبي الأحوص، عن أبي ذر ـ رضي اللّه عنه ـ قال: قال رسول اللّه: (لا يزال اللّه مقبلًا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت. فإذا التفت انصرف عنه) .
وأما لحاجة فلا بأس به، كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب الصلاة ـ يعني: صلاة الصبح ـ فجعل رسول اللّه/صلى الله عليه وسلم يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس. وهذا كحمله أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، من زينب بنت رسول اللّه. وفتحه الباب لعائشة، ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم، وتأخره في صلاة الكسوف، وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته، وأمره بقتل الحية والعقرب في الصلاة، وأمره برد المار بين يدي المصلي ومقاتلته، وأمره النساء بالتصفيق، وإشارته في الصلاة، وغير ذلك من الأفعال التي تفعل لحاجة، ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث المنافي للخشوع المنهي عنه في الصلاة.
ويدل على ذلك ـ أيضًا ـ ما رواه تميم الطائي عن جابر بن سَمُرَة ـ رضي اللّه عنه ـ قال: دخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والناس رافعوا أيديهم ـ قال الراوي ـ وهو زهير بن معاوية ـ وأراه قال في الصلاة ـ فقال: (ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خَيْل شُمْس، اسكنوا في الصلاة) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. ورووا ـ أيضًا ـ عن عبيد الله ابن القبطية عن جابر بن سَمُرَة ـ رضي اللّه عنه ـ قال كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه، ومن عن يساره. فلما صلى قال: (ما بال أحدكم يومئ بيده، كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم ـ أو ألا يكفي أحدكم ـ/أن يقول: هكذا ـ وأشار بأصبعه ـ يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله) . وفي رواية قال: (أما يكفي أحدكم ـ أو أحدهم ـ أن يضع يده علي فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه، ومن عن شماله) . ولفظ مسلم: صلينا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،