الصفحة 354 من 1087

وكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم. فنظر إلينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: (ما شأنكم؟ تشيرون بأيديكم، كأنها أذناب خَيْلٍ شُمْس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يؤمئ بيده) .

فقد أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالسكون في الصلاة، وهذا يقتضي السكون فيها كلها، والسكون لا يكون إلا بالطمأنينة. فمن لم يطمئن لم يسكن فيها، وأمره بالسكون فيها موافق لما أمر اللّه تعالى به من الخشوع فيها، وأحق الناس باتباع هذا هم أهل الحديث.

ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين الركوع وحين الرفع منه، وحمله على ذلك فقد غلط؛ فإن الحديث جاء مفسرًا بأنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل، أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن اليمين ومن عن الشمال.

ويبين ذلك قوله: (مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل/ شمس؟) و [الشُمْس] جمع شَمُوس، وهو الذي تقول له العامة الشَّمُوص، وهو الذي يحرك ذنبه ذات اليمين وذات الشمال، وهي حركة لا سكون فيها.

وأما رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الاستفتاح، فذلك مشروع باتفاق المسلمين. فكيف يكون الحديث نهيًا عنه؟

وقوله: (اسكنوا في الصلاة) يتضمن ذلك؛ ولهذا صلى بعض الأئمة الذين لم يكونوا يرون هذا الرفع إلى جنب عبد اللّه بن المبارك، فرفع ابن المبارك يديه، فقال له: (أتريد أن تطير؟) فقال: (إن كنت أطير في أول مرة، فأنا أطير في الثانية، وإلا فلا) وهذا نقض لما ذكره من المعنى.

وأيضًا، فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع فلا يكون نهيًا عنه، ولا يكون ذلك الحديث معارضًا، بل لو قد تعارضا. فأحاديث هذا الرفع كثيرة متواترة، ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، وهذا الرفع فيه سكون. فقوله: (اسكنوا في الصلاة) لا ينافي هذا الرفع، كرفع الاستفتاح وكسائر أفعال الصلاة، بل قوله: (اسكنوا) يقتضي السكون في كل/ بعض من أبعاض الصلاة، وذلك يقتضي وجوب السكون في الركوع والسجود والاعتدالين.

فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان؛ ولهذا يسكن فيها في الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة؛ فإن السكون فيها يكون بحركة معتدلة لا سريعة، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في المشي إليها. وهي حركة إليها، فكيف بالحركة فيها؟ فقال: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصَلُّوا، وما فاتكم فاقضوا) .

وهذا ـ أيضًا ـ دليل مستقل في المسألة، فعن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. قال أبو داود ـ وكذلك قال الترمذي ـ وابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سعد، ومَعْمَر، وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري: (وما فاتكم فأتموا) . وقال ابن عيينة عن الزهري: (فاقضوا) . قال محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ وجعفر ابن أبي ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: (فأتموا) ، وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فأتموا) ، وروى أبو داود عن أبي/هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم) . قال أبو داود: وكذا قال ابن سِيرين عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ: (وليقض) . وكذلك قال أبو رافع عن أبي هريرة، وأبو ذر ـ رضي اللّه عنه ـ روى عنه: (فأتموا، واقضوا) اختلف عنه.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة، ونهي عن السعي الذي هو إسراع في ذلك، لكونه سببًا للصلاة ـ فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة، وينهي فيها عن الاستعجال، فعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت