الصفحة 355 من 1087

أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة، منهي عن الاستعجال بطريق الأولى والأحرى، لاسيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة الذي يوجب عليه الذهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع، وإن أفضى ذلك إلى فوات بعض الصلاة، فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفردًا بعد سلام الإمام، وجعل ذلك مقدمًا على الإسراع إليها. وهذا يقتضي شدة النهي عن الاستعجال إليها، فكيف فيها؟

يبين ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثُمَامَة الحناط، عن كعب بن عُجْرَة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة) . فقد نهاه صلى الله عليه وسلم في مشيه إلى الصلاة عما/نهاه عنه في الصلاة من الكلام والعمل له منفردًا، فكيف يكون حال المصلي نفسه في ذلك المشي وغير ذلك؟ فإذا كان منهيًا عن السرعة والعجلة في المشي، مأمورًا بالسكينة، وإن فاته بعض الصلاة مع الإمام حتى يصلي قاضيًا له، فأولى أن يكون مأمورًا بالسكينة فيها.

ويدل على ذلك: أن اللّه ـ عز وجل ـ أمر في كتابه بالسكينة والقصد في الحركة والمشي مطلقًا، فقال: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} [لقمان: 19] وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] . قال الحسن وغيره: (بسكينة ووقار) ، فأخبر أن عباد الرحمن هم هؤلاء. فإذا كان مأمورًا بالسكينة والوقار في الأفعال العادية التي هي من جنس الحركة، فكيف الأفعال العبادية؟ ثم كيف بما هو فيها من جنس السكون، كالركوع والسجود؟ فإن هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال؛ كالرفع والخفض والنهوض والانحطاط. وأما نفس الأفعال التي هي المقصود بالانتقال، كالركوع نفسه، والسجود نفسه، والقيام والقعود أنفسهما ـ وهذه هي من نفسها سكون ـ فمن لم يسكن فيها لم يأت بها، وإنما هو بمنزلة من أهوى إلى القعود ولم يأت به، كمن مد يده إلى الطعام، ولم يأكل منه، أو وضعه على فيه ولم يطعمه.

وأيضًا، فإن اللّه ـ تعالى ـ أوجب الركوع والسجود في الكتاب/والسنة، وهو واجب بالإجماع لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] ، وقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 42، 43] ، وقوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 20، 21] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] ، وقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] .

فدل على أن الذي لا يسجد للّه من الناس، قد حق عليه العذاب، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] ، وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] .

وإذا كان اللّه ـ عز وجل ـ قد فرض الركوع والسجود للّه في كتابه، كما فرض أصل الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم، وسنته تفسر الكتاب وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه، /وفعله إذا خرج امتثالا لأمر أو تفسيرًا لمجمل، كان حكمه حكم ما امتثله وفسره. وهذا كما أنه صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت