عليه وسلم لما كان يأتي في كل ركعة بركوع واحد وسجودين كان كلاهما واجبًا، وكان هذا امتثالا منه لما أمر اللّه به من الركوع والسجود، وتفسيرًا لما أجمل ذكره في القرآن، وكذلك المرجع إلى سنته في كيفية السجود. وقد كان يصلي الفريضة والنافلة والناس يصلون على عهده، ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع والسجود، وبالطمأنينة في أفعال الصلاة كلها. قد نقل ذلك كل من نقل صلاة الفريضة والنافلة. والناس يصلون على عهده، ولم يصل قط إلا بالاعتدال عن الركوع والسجود وبالطمأنينة. وكذلك كانت صلاة أصحابه على عهده. وهذا يقتضي وجوب السكون والطمأنينة في هذه الأفعال، كما يقتضي وجوب عددها. وهو سجودان مع كل ركوع.
وأيضًا، فإن مداومته على ذلك في كل صلاة كل يوم، مع كثرة الصلوات، من أقوى الأدلة على وجوب ذلك؛ إذ لو كان غير واجب لتركه ولو مرة، ليبين الجواز، أو ليبين جواز تركه بقوله. فلما لم يبين ـ لا بقوله ولا بفعله ـ جواز ترك ذلك مع مداومته عليه، كان ذلك دليلًا على وجوبه.
وأيضًا، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: / أنه قال لمالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما) و (صلوا كما رأيتموني أصلي) فأمرهم أن يصلوا كما رأوه يصلي.
وذلك يقتضي أنه يجب على الإمام أن يصلي بالناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لهم، ولا معارض لذلك ولا مخصص؛ فإن الإمام يجب عليه ما لا يجب على المأموم والمنفرد.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه قال: لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قام على المنبر وكبر، وكبر الناس معه وراءه، وهو على المنبر، ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس. فقال: (يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي) . وفي سنن أبي داود والنسائي عن سالم البراد قال: أتينا عقبة بن عامر الأنصاري أبا مسعود، فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. فقام بين أيدينا في المسجد، فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع اللّه لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء/ منه ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه فجلس حتى استقر كل شيء منه، ففعل ذلك ـ أيضًا ـ ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة، فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلي.
وهذا إجماع الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ فإنهم كانوا لا يصلون إلا مطمئنين. وإذا رأي بعضهم من لا يطمئن أنكر عليه ونهاه. ولا ينكر واحد منهم على المنكر لذلك. وهذا إجماع منهم على وجوب السكون والطمأنينة في الصلاة، قولًا وفعلًا. ولو كان ذلك غير واجب لكانوا يتركونه أحيانًا كما كانوا يتركون ما ليس بواجب.
وأيضًا، فإن الركوع والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه وحين وضع وجهه على الأرض، فأما مجرد الخفض والرفع عنه، فلا يسمى ذلك ركوعًا، ولا سجودًا. ومن سماه ركوعًا وسجودًا فقد غلط على اللغة. فهو مطالب بدليل من اللغة على أن هذا يسمى راكعًا وساجدًا، حتى يكون فاعله ممتثلا للأمر، وحتى يقال: إن هذا الأمر المطالب به يحصل الامتثال فيه بفعل ما يتناوله الاسم فإن هذا لا يصح حتى يعلم أن مجرد هذا يسمى في اللغة ركوعًا وسجودًا وهذا مما لا سبيل إليه، ولا دليل عليه. فقائل ذلك قائل بغير علم في كتاب اللّه وفي لغة